الثلاثاء، 25 أغسطس 2020

سر البكاء على الإمام الحسين عليه السلام

 

سر البكاء على الإمام الحسين عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله واللعنة على أعدائهم أجمعين.


في ليلية الخميس وهي آخر ليلة من ليالي ذي القعدة اجتمع الرجال والشباب لتوديع عزيز وحبيب من أحباء قريتنا العزيزة الشاب علي ابن الشيخ حسن الشاخوري، وليس بالغريب أن تجد دموعا من عين أب أو عم أو أخ أو قريب أو شاب أو شيخ تجري على خدوده.

 

كنت جالسا بالقرب من فضيلة الشيخ عيسى عيد ننظر إلى قبره بعدما وُرِيَ الثرى، قال لي أن كلمة من خطيب قريتنا المفوه الشيخ مهدي ملا حسن أعجبته إذ قال في أحد مجالسه أن المصيبة إذا وقعت بفقد حبيب أو عزيز تقع كبيرة جدا ولكنها ما تلبث بتقادم الزمان أن تصغر وتصغر إلا مصيبة أبي عبد الله الحسين عليه السلام فهي لا تصغر مهما تقادم الزمان، وفي صباح يوم الخميس رقى منبر التعزية على روح العزيز عم الفقيد الشاب فضيلة الشيخ خليل الشاخوري وبعد شكره للمعزين والمواسين لهم في مصابهم الجلل جاعلا ذلك مدخلا لمن اعتادت عيونه حفر القنوات على خدوده من سيل دموعه على مصيبةٍ هي أعظم المصائب مصيبة أبي عبد الله الحسين عليه السلام مذكرا الناس بأن زينب عليها السلام في ليلة مصيبتها وفقدها للأحبة والأعزة لم يواسيها أحد، فأجهش الحضور بالبكاء.

 

هذا البكاء بهذه المرارة والغزارة لم أره قط في أي مصيبة من مصائبنا الشخصية التي تمر علينا نحن الشيعة إلا في مجالس الحسين وأهل بيته عليهم السلام، فأي سر يحويه هذا البكاء بحيث يكون متفجرا في أشد حالاته حينما يلون بدم الحسين عليه السلام ويخبو وينقطع حينما يبتعد عن لون الحسين عليه السلام؟


الفرض الأول: أن يقال لنا بأننا ذوات عواطف جياشة. 

فيجاب: بأن هذا ليس بمقنع، فلسنا فريدين في هذا الكون نختزل العاطفة في نفوسنا وتنقطع عن باقي البشر، فنحن كباقي البشر نملك نفس المشاعر والعواطف، ولكننا نظل نبكي ولا ينقطع بكائنا بنفس الحرارة في كل ذكرى لأهل البيت عليهم السلام وينقطع عند الناس بكائهم على مصائبهم بتقادم الزمان عليها حتى لا يبقى منها في أكابرها إلا ذكر اسمها واحتفالا يخلوه الصراخ والعويل والبكاء.


الفرض الثاني: أن يقال بأن حبكم للحسين وأهل بيته عليهم السلام يفوق حبكم لأنفسكم وأهليكم، وشدة الحب التي تفوق وَلَهَ العشاقِ تجعل مصيبته حاضرة لكم فكلما تذكرتموه بكيتم عليه كبكاء الأم الفاقدة لوحيدها.

يجاب أولا: هذا الأمر وإن كان صحيحا ولكن يجاب عليه أن ذلك غير كاف إذ أن الكثير من البشر يذوبون في معشوقهم بل يصل الحال ببعضهم أن ينتحروا ليحرروا أنفسهم من قيد حبهم فيتخلصوا من حياتهم وعشقهم في آن واحد ولكن أمثال هؤلاء أفراد، ونحن نتكلم على طائفة تحوي الملايين كلهم على منوال واحد في البكاء على مصابهم الفريد هذا مع الفارق الكبير بين بكائنا وبكاء فاقد المعشوق الذي يريد أن يخلص نفسه من قيد المعشوقية أما نحن فنتسابق في زيادة قيد المعشوقية ونجتهد في زيادة البكاء ونأنس به كأنسنا بمن يلاقي معشوقه بعد غياب، فكلنا في حال من اللهفة على قدوم أيام عاشوراء كي نطلق لعيوننا العنان فينحدر منها سيول الدموع إلى أودية الوفاء والحب والعشق.

ويجاب ثانيا: نجد أن الأقوام المليونية من الطوائف الأخرى الاسلامية وغير الاسلامية تعشق قادتها وتحبهم أكثر من حبها لأنفسهم يصل بها الحد للتضحية بالغالي والنفيس من أجله في أثناء حياته وبعد مماته ولكننا لم نجد طائفة من غيرنا تبكي قادتها لفقدهم كبكائنا لفقد قادتنا عليهم السلام فاصبح البكاء لنا عادة ورسما نوصف ونتميز به عن باقي الطوائف.

 

الفرض الثالث: أن يقال أن المصيبة عظيمة تفوق في عظمتها كل المصائب المتصورة لديكم بل أنه لم ولن تمرّ مصيبة عليكم تكون في تصورها أعظم منها، فكل مصيبة هي عندكم أهون منها.

ويجاب عليه: أن هذا الأمر وإن كان صحيحا بلحاظ أن شخصية الحسين عليه السلام هي من أعظم الشخصيات بالنسبة لدينا على وجه الأرض إذ لا يدانيه في الفضل إلا من كان معه في الكساء صلوات الله عليهم وآلهم ويلحقه بعده في الفضل أولاده الأئمة التسعة المعصومون عليهم السلام وما عداهم دونهم في الفضل بمراتب ومراتب، ولكن كون الحسين من أفضل الشخصيات عندنا له مثيل في باقي الطوائف فالمسيحيون يرون أفضلية عيسى ابن مريم عليه السلام على الخلائق وهم يرون أنه قد قتل بأبشع الصور وعذب بأشد أنواع التعذيب، وقد بكى الكثير منهم وتأثروا لما شاهدوا الفيلم المسمى بآلام المسيح ولكن هذا لم يجعلهم كديانة مسيحية تتخذ البكاء شعارا لها في كل ذكرى لرحيله عندهم. وفي العالم مصائب يراه الناس أنها من أعظم المصائب والكوارث التي تحل على البشرية جراء ظلم بني البشر من حكام الجور فيقتل الألاف في لحظة بأبشع صور القتل والتنكيل لحفظ كيان الديكتاتورية، ولكن مع هذا فإن الزمان كفيل بأن يهون ألم مصابها في نفوس البشر المهتمين بالقضية فضلا عن اللامبالين.

 

الفرض الرابع: القول بأن الشيعة قد عانت طوال التاريخ الظلم والاستبعاد والقهر والاضطهاد، وهي بذلك تتستر بالدمعة على الحسين عليه السلام تسلية لأنفسهم من جور حكام الزمان.

ويجاب: أن هذا قول لو تنزلنا وقلنا بصحته لا يرقى لأن يجيب على استمرار البكاء ففي دولة البويهيين الشيعية ببغداد هي من جعلت من المراسم العاشورائية رسمية في الدولة حتى عطلت الأسواق والأعمال في يوم العاشر من محرم وهكذا فعل الحمدانيون في حلب الشام وفعل الفاطميون في مصر وبعدهم الصفيون في إيران كلهم أظهر الحزن وجعلوه شعارا ظاهرا لهم واليوم إيران يحكمها الشيعة ومظاهر الحزن ومراسم العزاء بادية جلية، فالتعلق بعرى الحسين عليه السلام لا ربط له بحكم الشيعة لبقعة جغرافية أو عدم حكمهم.

 

لو أردنا أن نسترسل لأخرجنا فروضا عدة لا تفي بالإجابة على سر البكاء عند الشيعة الإمامية ولكن اختصارا نذكر أمرين يكونان من متممات الفروض السابقة التي بهما يشكلان الحلقة المفقودة في فهم سر بقاء البكاء حتى يومنا هذا.


الأمر الأول: أن هناك سلوكا من الفعل والقول من قبل أهل البيت عليهم السلام سبق ولحق واقعة كربلاء كان يؤصل للبكاء كمنهج عام للتعامل مع الحسين عليه السلام يربط الموالين به برباط عقائدي وشرعي
، وهذا السلوك من قبل أهل البيت عليهم السلام قد مورس بأكثر من قرنين ونصف، بحيث أن أصحاب الأئمة ومن لحقهم جيلا بعد جيل أصبح البكاء عندهم كالملكة النفسانية عند ذكر مصاب أهل البيت ينقادون له كانقياد الرضيع إلى محالب أمه. وللاستشهاد بذلك نصنف الروايات إلى قسمين :


القسم الأول: الأقوال والأفعال الصادرة من أهل البيت العصمة قبل فاجعة كربلاء منها:

1. عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حُلُماً مُنْكَراً، قَالَ: وَمَا هُوَ، قَالَتْ: إِنَّهُ شَدِيدٌ، قَالَ: وَمَا هُوَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ كَأَنَّ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِكَ قَدْ قُطِعَتْ وَوُضِعَتْ فِي حَجْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: خَيْراً رَأَيْتِ تَلِدُ فَاطِمَةُ غُلَاماً فَيَكُونُ فِي حَجْرِكِ فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام الْحُسَيْنَ عليه السلام، قَالَتْ: وَكَانَ فِي حَجْرِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَدَخَلْتُ بِهِ يَوْماً عَلَى النَّبِيِّ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ثُمَّ حَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةً فَإِذَا عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ تُهْرِقَانِ بِالدُّمُوعِ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ، قَالَ: أَتَانِي جَبْرَئِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي يَقْتُلُ [تَقْتُلُ‏] ابْنِي هَذَا وَأَتَانِي بِتُرْبَةٍ حَمْرَاءَ مِنْ تُرْبَتِهِ[1].

2. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ذَاتَ يَوْمٍ جَالِساً وَالْحُسَيْنُ جَالِسٌ فِي حَجْرِهِ إِذْ هَمَلَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي أَرَاكَ تَبْكِي جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ جَاءَنِي جَبْرَئِيلُ فَعَزَّانِي بِابْنِيَ الْحُسَيْنِ وَأَخْبَرَنِي أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أُمَّتِي تَقْتُلُهُ لَا أَنَالَهَا اللَّهُ شَفَاعَتِي[2].

3. عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: كَانَ الْحُسَيْنُ مَعَ أُمِّهِ تَحْمِلُهُ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ قَاتِلَكَ وَلَعَنَ اللَّهُ سَالِبَكَ وَأَهْلَكَ اللَّهُ الْمُتَوَازِرِينَ عَلَيْكَ وَحَكَمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَعَانَ عَلَيْكَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ: يَا أَبَتِ أَيَّ شَيْ‏ءٍ تَقُولُ، قَالَ: يَا بِنْتَاهْ ذَكَرْتُ مَا يُصِيبُهُ بَعْدِي وَبَعْدَكِ مِنَ الْأَذَى وَالظُّلْمِ وَالْغَدْرِ وَالْبَغْيِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي عُصْبَةٍ كَأَنَّهُمْ نُجُومُ السَّمَاءِ يَتَهَادَوْنَ إِلَى الْقَتْلِ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ وَإِلَى مَوْضِعِ رِحَالِهِمْ وَتُرْبَتِهِمْ، قَالَتْ: يَا أَبَهْ وَأَيْنَ هَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي تَصِفُ، قَالَ: مَوْضِعٌ يُقَالُ لَهُ كَرْبَلَاءُ وَ هِيَ دَارُ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ عَلَيْنَا وَ عَلَى الْأُمَّةِ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ شِرَارُ أُمَّتِي لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ شَفَعَ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ مَا شُفِّعُوا فِيهِ وَ هُمُ الْمُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، قَالَتْ يَا أَبَهْ فَيُقْتَلُ قَالَ نَعَمْ يَا بِنْتَاهْ وَ مَا قُتِلَ قَتْلَتَهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ وَ يَبْكِيهِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرَضُونَ وَ الْمَلَائِكَةُ وَ الْوَحْشُ وَ النَّبَاتَاتُ وَ الْبِحَارُ وَ الْجِبَالُ وَ لَوْ يُؤْذَنُ لَهَا مَا بَقِيَ عَلَى الْأَرْضِ مُتَنَفِّسٌ وَ يَأْتِيهِ قَوْمٌ مِنْ مُحِبِّينَا لَيْسَ فِي الْأَرْضِ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَ لَا أَقْوَمُ بِحَقِّنَا مِنْهُمْ وَ لَيْسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ غَيْرُهُمْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ فِي ظُلُمَاتِ الْجَوْرِ وَ هُمُ الشُّفَعَاءُ وَ هُمْ وَارِدُونَ حَوْضِي غَداً أَعْرِفُهُمْ إِذَا وَرَدُوا عَلَيَّ بِسِيمَاهُمْ وَ كُلُّ أَهْلِ دِينٍ يَطْلُبُونَ أَئِمَّتَهُمْ وَ هُمْ يَطْلُبُونَنَا لَا يَطْلُبُونَ غَيْرَنَا وَ هُمْ قِوَامُ الْأَرْضِ وَ بِهِمْ يَنْزِلُ الْغَيْثُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ ع يَا أَبَهْ إِنَّا لِلَّهِ وَ بَكَتْ فَقَالَ لَهَا يَا بِنْتَاهْ إِنَّ أَفْضَلَ أَهْلِ الْجِنَانِ هُمُ الشُّهَدَاءُ فِي الدُّنْيَا بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا[3].

4. فِي مُثِيرِ الْأَحْزَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ص مَرَضُهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ضَمَّ الْحُسَيْنَ ع إِلَى صَدْرِهِ يَسِيلُ مِنْ عَرَقِهِ عَلَيْهِ وَ هُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ وَ يَقُولُ مَا لِي وَ لِيَزِيدَ لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ اللَّهُمَّ الْعَنْ يَزِيدَ ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ طَوِيلًا وَ أَفَاقَ وَ جَعَلَ يُقَبِّلُ الْحُسَيْنَ وَ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ وَ يَقُولُ أَمَا إِنَّ لِي وَ لِقَاتِلِكَ مُقَاماً بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ..[4]
5. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع فِي خَرْجَتِهِ إِلَى صِفِّينَ فَلَمَّا نَزَلَ بِنَيْنَوَى وَ هُوَ بِشَطِّ الْفُرَاتِ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَ تَعْرِفُ هَذَا الْمَوْضِعَ قُلْتُ لَهُ مَا أَعْرِفُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ع لَوْ عَرَفْتَهُ كَمَعْرِفَتِي لَمْ تَكُنْ تَجُوزُهُ حَتَّى تَبْكِيَ كَبُكَائِي قَالَ فَبَكَى طَوِيلًا حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ وَ سَالَتِ الدُّمُوعُ عَلَى صَدْرِهِ وَ بَكَيْنَا مَعاً وَ هُوَ يَقُولُ أَوِّهْ أَوِّهْ مَا لِي وَ لِآلِ أَبِي سُفْيَانَ مَا لِي وَ لآِلِ حَرْبٍ حِزْبِ الشَّيْطَانِ وَ أَوْلِيَاءِ الْكُفْرِ صَبْراً يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَدْ لَقِيَ أَبُوكَ مِثْلَ الَّذِي تَلْقَى مِنْهُمْ....[5]
6. عَنِ الْقَدَّاحِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ ع قَالَ مَرَّ عَلِيٌّ بِكَرْبَلَاءَ فِي اثْنَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ فَلَمَّا مَرَّ بِهَا تَرَقْرَقَتْ عَيْنَاهُ لِلْبُكَاءِ ثُمَّ قَالَ هَذَا مُنَاخُ رِكَابِهِمْ وَ هَذَا مُلْقَى رِحَالِهِمْ وَ هَاهُنَا تُهَرَاقُ دِمَاؤُهُمْ طُوبَى لَكِ مِنْ تُرْبَةٍ عَلَيْكِ تُهَرَاقُ دِمَاءُ الْأَحِبَّةِ[6].
7. عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ع قَالَ مَا مِنْ عَبْدٍ قَطَرَتْ عَيْنَاهُ فِينَا قَطْرَةً أَوْ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ فِينَا دَمْعَةً إِلَّا بَوَّأَهُ اللَّهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ حُقُباً[7].


القسم الثاني: الأقوال والأفعال الصادرة من أهل البيت العصمة بعد فاجعة كربلاء منها:
1. عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع يَقُولُ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ دَمْعَةً حَتَّى تَسِيلَ عَلَى خَدِّهِ بَوَّأَهُ اللَّهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ غُرَفاً يَسْكُنُهَا أَحْقَاباً وَ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ دَمْعاً حَتَّى يَسِيلَ عَلَى خَدِّهِ لِأَذًى مَسَّنَا مِنْ عَدُوِّنَا فِي الدُّنْيَا بَوَّأَهُ اللَّهُ مُبَوَّأَ صِدْقٍ فِي الْجَنَّةِ وَ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَسَّهُ أَذًى فِينَا فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ حَتَّى يَسِيلَ دَمْعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ مِنْ مَضَاضَةِ مَا أُوذِيَ فِينَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ الْأَذَى وَ آمَنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَخَطِهِ وَ النَّارِ[8].

2. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ كَيْفَ صَارَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مُصِيبَةٍ وَ غَمٍّ وَ جَزَعٍ وَ بُكَاءٍ دُونَ الْيَوْمِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ فَاطِمَةُ ع وَ الْيَوْمِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع وَ الْيَوْمِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحَسَنُ ع بِالسَّمِّ فَقَالَ إِنَّ يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ ع أَعْظَمُ مُصِيبَةً مِنْ جَمِيعِ سَائِرِ الْأَيَّامِ وَ ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكِسَاءِ الَّذِينَ كَانُوا أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ كَانُوا خَمْسَةً فَلَمَّا مَضَى عَنْهُمُ النَّبِيُّ بَقِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ع فَكَانَ فِيهِمْ لِلنَّاسِ عَزَاءٌ وَ سَلْوَةٌ فَلَمَّا مَضَتْ فَاطِمَةُ ع كَانَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ع لِلنَّاسِ عَزَاءٌ وَ سَلْوَةٌ فَلَمَّا مَضَى مِنْهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ لِلنَّاسِ فِي الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ع عَزَاءٌ وَ سَلْوَةٌ فَلَمَّا مَضَى الْحَسَنُ ع كَانَ لِلنَّاسِ فِي الْحُسَيْنِ عَزَاءٌ وَ سَلْوَةٌ فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الْكِسَاءِ أَحَدٌ لِلنَّاسِ فِيهِ بَعْدَهُ عَزَاءٌ وَ سَلْوَةٌ فَكَانَ ذَهَابُهُ كَذَهَابِ جَمِيعِهِمْ كَمَا كَانَ بَقَاؤُهُ كَبَقَاءِ جَمِيعِهِمْ فَلِذَلِكَ صَارَ يَوْمُهُ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ مُصِيبَةً[9].

3. عَنِ ابْنِ خَارِجَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ كُنَّا عِنْدَهُ فَذَكَرْنَا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ع وَ عَلَى قَاتِلِهِ لَعْنَةُ اللَّهِ فَبَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع وَ بَكَيْنَا قَالَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ع أَنَا قَتِيلُ الْعَبْرَةِ لَا يَذْكُرُنِي مُؤْمِنٌ إِلَّا بَكَى.

4. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَّانَ عَنِ ابْنِ أَبِي شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَأَنْشَدْتُهُ مَرْثِيَةَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ع فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ
لَبَلِيَّةٌ تَسْقُوا حُسَيْناً بِمِسْقَاةِ الثَّرَى غَيْرِ التُّرَابِ فصَاحَتْ بَاكِيَةً مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ يَا أَبَتَاهْ[10].

5. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ عِنْدَ رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَنْظُرُ إِلَى مُعَسْكَرِهِ وَ مَنْ حَلَّهُ مِنَ الشُّهَدَاءِ مَعَهُ وَ يَنْظُرُ إِلَى زُوَّارِهِ وَ هُوَ أَعْرَفُ بِهِمْ وَ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَ بِدَرَجَاتِهِمْ وَ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَحَدِكُمْ بِوَلَدِهِ وَ إِنَّهُ لَيَرَى مَنْ يَبْكِيهِ فَيَسْتَغْفِرُ لَهُ وَ يَسْأَلُ آبَاءَهُ ع أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهُ وَ يَقُولُ لَوْ يَعْلَمُ زَائِرِي مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ لَكَانَ فَرَحُهُ أَكْثَرَ مِنْ جَزَعِهِ وَ إِنَّ زَائِرَهُ لَيَنْقَلِبُ وَ مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ[11].

6. عَنْ أَبِي عُمَارَةَ الْمُنْشِدِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: قَالَ لِي يَا أَبَا عُمَارَةَ أَنْشِدْنِي فِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ فَأَنْشَدْتُهُ فَبَكَى ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ فَبَكَى قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا زِلْتُ أُنْشِدُهُ وَ يَبْكِي حَتَّى سَمِعْتُ الْبُكَاءَ مِنَ الدَّارِ قَالَ فَقَالَ يَا بَا عُمَارَةَ مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ شِعْراً فَأَبْكَى خَمْسِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَأَبْكَى ثَلَاثِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَأَبْكَى عِشْرِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَأَبْكَى عَشَرَةً فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَأَبْكَى وَاحِداً فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَبَكَى فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَتَبَاكَى فَلَهُ الْجَنَّةُ.

7. عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ قَالَ: قَالَ الرِّضَا ع إِنَّ الْمُحَرَّمَ شَهْرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ فِيهِ الْقِتَالَ فَاسْتُحِلَّتْ فِيهِ دِمَاؤُنَا وَ هُتِكَتْ فِيهِ حُرْمَتُنَا وَ سُبِيَ فِيهِ ذَرَارِيُّنَا وَ نِسَاؤُنَا وَ أُضْرِمَتِ النِّيرَانُ فِي مَضَارِبِنَا وَ انْتُهِبَ مَا فِيهَا مِنْ ثِقْلِنَا وَ لَمْ تُرْعَ لِرَسُولِ اللَّهِ حُرْمَةٌ فِي أَمْرِنَا إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا وَ أَسْبَلَ دُمُوعَنَا وَ أَذَلَّ عَزِيزَنَا بِأَرْضِ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ أَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَ الْبَلَاءَ إِلَى يَوْمِ الِانْقِضَاءِ فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ ثُمَّ قَالَ ع كَانَ أَبِي إِذَا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ لَا يُرَى ضَاحِكاً وَ كَانَتِ الْكَآبَةُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْعَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَ حُزْنِهِ وَ بُكَائِهِ وَ يَقُولُ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ[12].

8. عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرِّضَا ع قَالَ مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ فِي حَوَائِجِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ قَضَى اللَّهُ لَهُ حَوَائِجَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ مَنْ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَ حُزْنِهِ وَ بُكَائِهِ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ فَرَحِهِ وَ سُرُورِهِ وَ قَرَّتْ بِنَا فِي الْجِنَانِ عَيْنُهُ وَ مَنْ سَمَّى يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ بَرَكَةٍ وَ ادَّخَرَ فِيهِ لِمَنْزِلِهِ شَيْئاً لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيمَا ادَّخَرَ وَ حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ يَزِيدَ وَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إِلَى أَسْفَلِ دَرْكٍ مِنَ النَّارِ[13].


وبعد ذكر طرفا من روايات أهل البيت عليهم السلام وللقارئ أن ينظر في بقية الروايات في الكثير من المصادر التاريخية والروائية كبحار الأنوار في الجزء المختص بحياة الإمام الحسين عليه السلام وكتب المقاتل وكتاب كامل الزيارات وأمالي الشيخ الصدوق والطوسي ومجالس الشيخ المفيد عليهم الرحمة وغيرها من الكتب وربما يسأل السائل لماذا لم يرى مثل هذه المراسم العزائية عند غير الشيعة إذا كان الأمر قد صدر من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وقد مارسه فعلا؟

فإنه يجاب أن الممارسة في حياة النبي صلى الله عليه وأله من قبله شخصيا لم تكن على نطاق واسع بحيث تكون شكل من أشكال الممارسة الجماعية في الصحابة من بعده، وانما كانت ممارسة على نحو خاص في مواطن متعددة هيئة الأرضية لمشروعية للبكاء عليه، وهكذا كانت ممارسة من بعد النبي صلى الله عليه وآله إلى حين استشهاده عليه السلام، بل يمكن القول بأن الصحابة لم يكونوا على استعداد لقبول الأمر بشكله الواسع لأنه إخبار بغدر القطاع الواسع من الأمة على ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا ما يعني تشكيكا في أهليتهم للإسلام مما يستدعي نقض الغرض لدعوتهم للدين الإسلامي من أول الأمر.
أما بعد استشهاد الحسين وصحبه عليهم السلام فكانت الممارسة من قبل أهل البيت تأخذ شكلا آخر وهو الدعوة لإقامة البكاء والنياحة عليه بشكل جماعي مما يعني المشاركة الواسعة من الموالين لأهل البيت عليهم السلام في طقوس خاصة بالمصيبة جعل أقصى وقتها هو يوم عاشورا فيها يظهرون الحزن والجزع ويقيمون المآتم ونوادي الشعر بأمر من أهل البيت العصمة.

كانت إقامة المأتم تتم في بيوتات أهل البيت عليهم السلام وفي بيوتات أصحابهم مما جعل هذه الممارسة تشكل نوعا من أنواع الولاء لأهل البيت عليهم السلام فيزداد بذلك الارتباط العقائدي، والممارسة على هذا النحو رغم المخاطر التي حفتها على مر التاريخ فقد نقلت من جيل إلى جيل بحيث صارت سمة من سمات الشيعة .


الأمر الثاني: الجانب الغيبي للبكاء على الحسين عليه السلام:

إن المتتبع لروايات أهل البيت يستكشف أن الدمعة لم تكن وليدة بعثة النبي صلى الله عليه وآله بل هذه الدمعة كانت مقدرة في علم الله فنجد بعض الروايات تذكر أن بعض أنبياء الله ورسله قد مارسوا البكاء على الحسين عليه السلام من هذه الروايات فمنها:

1.   عن سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ الْقَائِمَ ع عَنْ تَأْوِيلِ كهيعص قَالَ ع هَذِهِ الْحُرُوفُ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ثُمَّ قَصَّهَا عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ وَ ذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا سَأَلَ اللَّهَ رَبَّهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَسْمَاءَ الْخَمْسَةِ فَأَهْبَطَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلَ ع فَعَلَّمَهُ إِيَّاهَا فَكَانَ زَكَرِيَّا إِذَا ذَكَرَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ ع سُرِّيَ عَنْهُ هَمُّهُ وَ انْجَلَى كَرْبُهُ وَ إِذَا ذَكَرَ اسْمَ الْحُسَيْنِ خَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ وَ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْبُهْرَةُ فَقَالَ ع ذَاتَ يَوْمٍ إِلَهِي مَا بَالِي إِذَا ذَكَرْتُ أَرْبَعَةً مِنْهُمْ تَسَلَّيْتُ بِأَسْمَائِهِمْ مِنْ هُمُومِي وَ إِذَا ذَكَرْتُ الْحُسَيْنَ تَدْمَعُ عَيْنِي وَ تَثُورُ زَفْرَتِي فَأَنْبَأَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَنْ قِصَّتِهِ فَقَالَ كهيعص فَالْكَافُ اسْمُ كَرْبَلَاءَ وَ الْهَاءُ هَلَاكُ الْعِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ وَ الْيَاءُ يَزِيدُ وَ هُوَ ظَالِمُ الْحُسَيْنِ وَ الْعَيْنُ عَطَشُهُ وَ الصَّادُ صَبْرُهُ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ زَكَرِيَّا لَمْ يُفَارِقْ مَسْجِدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ مَنَعَ فِيهِنَّ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وَ أَقْبَلَ عَلَى الْبُكَاءِ وَ النَّحِيبِ وَ كَانَ يُرْثِيهِ إِلَهِي أَ تُفَجِّعُ خَيْرَ جَمِيعِ خَلْقِكَ بِوَلَدِهِ إِلَهِي أَ تُنْزِلُ بَلْوَى هَذِهِ الرَّزِيَّةِ بِفِنَائِهِ إِلَهِي أَ تُلْبِسُ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ ثِيَابَ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ إِلَهِي أَ تُحِلُّ كُرْبَةَ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ بِسَاحَتِهِمَا ثُمَّ كَانَ يَقُولُ إِلَهِي ارْزُقْنِي وَلَداً تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي عَلَى الْكِبَرِ فَإِذَا رَزَقْتَنِيهِ فَافْتِنِّي بِحُبِّهِ ثُمَّ أَفْجِعْنِي بِهِ كَمَا تُفْجِعُ مُحَمَّداً حَبِيبَكَ بِوَلَدِهِ فَرَزَقَهُ اللَّهُ يَحْيَى وَ فَجَّعَهُ بِهِ وَ كَانَ حَمْلُ يَحْيَى سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَ حَمْلُ الْحُسَيْنِ ع كَذَلِكَ[14].

2.   رَوَى صَاحِبُ الدُّرِّ الثَّمِينِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ أَنَّهُ رَأَى سَاقَ الْعَرْشِ وَ أَسْمَاءَ النَّبِيِّ وَ الْأَئِمَّةِ ع فَلَقَّنَهُ جَبْرَئِيلُ قُلْ يَا حَمِيدُ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ يَا عَالِي بِحَقِّ عَلِيٍّ يَا فَاطِرُ بِحَقِّ فَاطِمَةَ يَا مُحْسِنُ بِحَقِّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ مِنْكَ الْإِحْسَانُ فَلَمَّا ذَكَرَ الْحُسَيْنَ سَالَتْ دُمُوعُهُ وَ انْخَشَعَ قَلْبُهُ وَ قَالَ يَا أَخِي جَبْرَئِيلُ فِي ذِكْرِ الْخَامِسِ يَنْكَسِرُ قَلْبِي وَ تَسِيلُ عَبْرَتِي قَالَ جَبْرَئِيلُ وَلَدُكَ هَذَا يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ تَصْغُرُ عِنْدَهَا الْمَصَائِبُ فَقَالَ يَا أَخِي وَ مَا هِيَ قَالَ يُقْتَلُ عَطْشَاناً [عَطْشَانَ‏] غَرِيباً وَحِيداً فَرِيداً لَيْسَ لَهُ نَاصِرٌ وَ لَا مُعِينٌ وَ لَوْ تَرَاهُ يَا آدَمُ وَ هُوَ يَقُولُ وَاعَطَشَاهْ وَاقِلَّةَ نَاصِرَاهْ حَتَّى يَحُولَ الْعَطَشُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ السَّمَاءِ كَالدُّخَانِ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ إِلَّا بِالسُّيُوفِ وَ شُرْبِ الْحُتُوفِ فَيُذْبَحُ ذَبْحَ الشَّاةِ مِنْ قَفَاهُ وَ يَنْهَبُ رَحْلَهُ أَعْدَاؤُهُ وَ تُشْهَرُ رُءُوسُهُمْ هُوَ وَ أَنْصَارُهُ فِي الْبُلْدَانِ وَ مَعَهُمُ النِّسْوَانُ كَذَلِكَ سَبَقَ فِي عِلْمِ الْوَاحِدِ الْمَنَّانِ فَبَكَى آدَمُ وَ جَبْرَئِيلُ بُكَاءَ الثَّكْلَى[15].

 

المتتبع لمسيرة هذه الدمعة خصوصا بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام سيجد فيه سر بقاء ثورته إلى يومنا هذا ففي مسيرة سبايا الحسين من الكوفة إلى الشام ومن ثم إلى المدينة نجد أن الموقف المرافق الرئيسي للقافلة هو الدمعة والعبرة فزينب عليها السلام والإمام زين العابدين قد أبكايا أهل الكوفة مؤذنان ببداية الجولة الثانية من المعركة الحسينية التي لا نهاية لها إلا بظهور قائم آل محمد صلى الله عليه وآله وعجل الله فرجه الشريف إذ لا يعدو قتل الحسين عليه السلام وأصحابه إلا الجولة الأولى من المعركة وهكذا في عقر دار يزيد لعنه الله استعمل نفس السلاح لإظهار حق الحسين عليه السلام على باطل يزيد لعنه الله، واستمرت الدمعة تسير مع ركب السبايا أينما حلوا أو ارتحلوا سلاحا يقوض كل ظلم ويظهر كل حق لأهل البيت عليهم السلام.

ولو تأملنا قليلا لوجدنا صعوبة هزيمة هذه الدمعة فمهما ملك الطواغيت على مر الزمان من سلاح وعتاد وقوة وعناد فإن الدمعة على ضعفها أقوى من جبروت الطواغيت، لأن قتل الدمعة تحتاج إلى استئصال كل الموالين وأنى لهم ذلك وقد تفرقت الدمعة في كل مكان وفي كل زمان.

هذه الدمعة هي أحد الوسائل التي استعملتها زينب عليها السلام في مواجهتها ليزيد لعنه الله وهي القائلة له: "فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى، والمعول، وإليه الملجأ والمؤمل ثم كد كيدك، واجهد جهدك، فوالذي شرفنا بالوحي والكتاب، والنبوة والانتجاب، لا تدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا ترحض عنك عارنا، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعن الظالم العادي والحمد لله الذي حكم لأوليائه بالسعادة وختم لأوصيائه ببلوغ الإرادة[16]"

وبعد هذا يتضح جليا سر هذه الدمعة وسر هذا البكاء والتفجع الذي لا زال إلى يومنا هذا يصدح به الموالون في كل أرض وفي كل زمان يؤكدون به أحقية أهل البيت ويثبتون به عرش قائم آل محمد صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وعجل الله فرجه الشريف.

والحمد لله رب العالمين

مالك محمد علي درويش

محرم الحرام 1431 هـ

تم تعديله واستخراج مصادره

بمحرم الحرام 1442 هـ

 

 



[1] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 44 - الصفحة 239

[2] الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - الصفحة 130

[3] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 44 - الصفحة 264

[4] مثير الأحزان - ابن نما الحلي - الصفحة 12

[5] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 44 - الصفحة 252

[6] قرب الاسناد - الحميري القمي - الصفحة 26

[7] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 44 - الصفحة 279

[8] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 44 - الصفحة 281

[9] علل الشرائع - الشيخ الصدوق - ج 1 - الصفحة 226

[10] كامل الزيارات - جعفر بن محمد بن قولويه - الصفحة 210

[11] الأمالي - الشيخ الطوسي - الصفحة 55

[12] الأمالي - الشيخ الصدوق - الصفحة 190

[13] وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 14 - الصفحة 504

[14] الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج 2 - الصفحة 273

[15] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 44 - الصفحة 245

[16] الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج 2 - الصفحة 37

السبت، 22 أغسطس 2020

سفير المعصوم .. أعلى مراتب الوثاقة

 

سفير المعصوم... أعلى مراتب الوثاقة

 

مصعب بن عمير كان من شباب أهل مكة المنعمين والمترفين ولكن بريق المال والجاه لم يمنعه من معرفة الحق، فضحى بكل ذلك الجاه ليلتحق بطريق الهداية المحمدية فاختار الفقر على الغنى في سبيل الرسالة ولشدة حبه للنبي صلى الله عليه وآله لم يستطع أن يصبر على فراقه في هجرته للحبشة فرجع مرة أخرى لمكة كي يكون بالقرب من نور عشقه المحمدي..

هذه الشخصية الفريدة من نوعها والصلبة في إيمانها وتعلقها بالحق أصبح قلبها موضع الضياء للرسالة المحمدية ولهذا استحق مصعبا أن يكون سفيرا للرسول صلى الله عليه وآله في المدينة قبل الهجرة ليمهد الأرضية الصالحة لمقدم الرسول مع الرسالة.

نجح مصعب عليه الرحمة في أداء مهمته واستحق بكل جدارة أن يكون أول سفير في الإسلام. وهذه المرتبة ختمها بالشهادة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وروي أن النبي صلى الله عليه وآله "حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير، وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه فدعا له ثم قرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا[1][2]"  .

 

السفير هو الوسيط المصلح الذي يصلح أن يكون محل من أعطاه هذا المقام فيصلح في الأمة المبعوث لها كما لو كان الأصيل فيها فهو يطبق إرادته وأهدافه، فلذا من الأمور المهمة في شخصية السفير أن يكون عارفا تمام المعرفة بصاحبه الذي أعطاه هذا المقام بل لابد أن يكون في أعلى مراتب الوثاقة حتى يستطيع أن يوصل مبتغى مرسله بكل صدق وأمانه، وكذلك يجب أن يكون في أعلى مراتب التقوى والورع حتى يكون جاذبا للحق ومبعدا للباطل ويكون إشراقة النور عن صاحبه.

ولهذا فالسفير لا يتصور فيه أن تصدر منه الخيانة أو الجهالة وعدم المعرفة أو يكون محلا لنفرة الناس عنه.. نعم قد يطلق على السفير مطلق من يحمل رسالة موقعه ولكن هذا بعيد عن ما نرمي إليه فنحن نتكلم عن تلك المنزلة في التوسيط بين المعصوم وبقية الناس وبهذا يفرق عن الوكيل للمعصوم، فإن المعصوم لا يأخذ وكيلا عنه إلا إذا كان بحسب ظاهره للناس أمينا وثقة ولكنه قد يخون كما حدث ذلك لمجموعة من وكلاء الأئمة عليهم السلام كما الحال في وكلاء الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام علي بن أبي حمزة البطائني، و زياد بن مروان القندي، و عثمان بن عيسى الرواسي فقد أغراهم بريق المال الذي جمّعوه من الحقوق الشرعية فقالوا بالوقف حتى يختصوا بالمال ولا يوصلوها إلى الإمام من بعده علي بن موسى الرضا عليهما السلام.

 

والذي يظهر من الروايات أن السفارة لا تأتي بالطلب بل الإمام هو الذي يختار إليها من تنكشف عنده سريرته وباطنه، فقصة ذلك العالم الكبير ابن العزاقر المعروف بالشلمغاني مشهورة معروفة إذ كان يتطلع لأن يصل إلى منصب السفارة بعد وفاة السفير الثاني للإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف محمد بن عثمان العمري إلا أن التعيين من قبله روحي لمقدمه الفداء جاء إلى الحسين بن روح ولشدة حسده خرج من التشيع يقول عنه الشيخ النجاشي "محمد بن علي الشلمغاني، أبو جعفر المعرف بابن العزاقر، كان متقدما في أصحابنا، فحمله الحسد لأبي القاسم الحسين بن روح على ترك المذهب، والدخول في المذاهب الردية حتى خرجت فيه توقيعات، فأخذه السلطان، وقتله وصلبه"

 

من هنا يمكن أن نلقي الضوء على مكانة مسلم ابن عقيل سفير الإمام الحسين عليه السلام للكوفة فتكليفه بالسفارة في الكوفة يقوم بمقام الحسين دلالة على عظمته وعلو شأنه ففي رسالة التكليف جاء فيها " وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، فان كتب إلي انه قد أجمع رأي احداثكم وذوي الفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وتواترت به كتبكم أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله[3]"

إذ ليس من السهل أن يعبر الإمام عن شخص أخي وثقتي إلا أن يكون ذلك نابع من كشف سريرته فكلمة أخي هي نظير تعبير الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في حق أمير المؤمنين بالأخوة. وهي تدل على نوع العشق الإلهي بينهما فمسلم كان يعشق الحسين عليه السلام فهو كل وجوده، وهذا أمر مشابه لتعلق مصعب بن عمير بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ومن حسن الخاتمة بالسفيرين أن الأول استشهد في أحد بعد خذلان الناصر برسول الله وهروب الجند فبقي رسول الله والنفر القليل ولكن مصعبا كان صادق الوعد وهكذا مسلم رأى بأم عينية خذلان أهل الكوفة وثبت على الحق حتى استشهد فكأن تأبين رسول الله صلى الله عليه وآله يهمس في أذن مسلم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾ بدلالة الروية القائلة على لسان نبي الهدى صلوات الله عليه وآله "حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا[4]"

 

مسلم بن عقيل كان حجة على أهل الكوفة أجمعهم استمدها من حجية الإمام الحسين عليه السلام واستشهد في سبيل الحسين ومصعب حجة في أهل المدينة استشهد في سبيل الرسول صلى الله عليه وآله فسلام عليهما يوم ولدا ويوم يموتا ويوم يبعثان حيا.

 

والحمد لله رب العالمين

مالك محمد علي درويش

2 محرم الحرام 1442 هـ

22 / 8 / 2020 م



[1] الأحزاب-23

[2] البداية والنهاية - ابن كثير - ج 4 - الصفحة 51

[3] مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 - الصفحة 242

[4] الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - الصفحة 127

الخميس، 20 أغسطس 2020

راية الحسين عليه السلام باقية

راية الحسين عليه السلام باقية

 

لكل جيش في العالم راية لها البعد المعنوي والرمزي فوجود الراية في الميدان خفاقة تعطي الجندي القوة والصلابة والاستمرار في مكافحة العدو، والراية المرفوعة في ميدان القتال ترمز إلى بقاء الجيش وتماسكه وعدم سقوطه.

لهذا فإن في الحروب يركز على إسقاط هذه الراية لكسر شوكة الطرف المقابل والتسريع في هزيمته، ولذا عندما تقرأ عن غزوة مؤته والتي أمر الرسول صلى الله عليه وآله ثلاثة من أشجع المؤمنين على جيش المسلمين وهم جعفر بن أبي طالب زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ولما "التقى الناس واقتتلوا قتالا شديدا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم. ثم أخذها جعفر بن أبي طالب[1]" و "أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء[2]" ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فنكل يسيرا ثم حمل فقاتل حتى قتل، فلما قتل انهزم المسلمون أسوأ هزيمة كانت في كل وجه، ثم تراجعوا فأخذ اللواء ثابت بن أقرم وجعل يصيح: يا للأنصار، فثاب إليهم منهم قليل، فقال لخالد بن الوليد: خذ اللواء يا أبا سليمان، قال خالد: لا بل خذه أنت فلك سن وقد شهدت بدرا، قال ثابت: خذه أيها الرجل فوالله ما أخذته إلا لك، فأخذه خالد و حمل به ساعة وجعل المشركون يحملون عليه حتى دهمه منهم بشر كثير، فانحاز بالمسلمين وانكشفوا راجعين.

قال الواقدي، وقد روي أن خالدا ثبت بالناس فلم ينهزموا، والصحيح أن خالدا انهزم بالناس[3]"

إذا للراية دلالة كبرى في الجيش لا يعين بها صاحبها إلا أن يكون متميزا فيهم ولهذا نجد أن الحروب التي يخوضها رسول الله صلى الله عليه وآله وبجانبه أمير المؤمنين عليه السلام كان يعطيه رايته، وهكذا نجد أن الحسين عليه السلام في صبيحة يوم العاشر "عبأ أصحابه بعد صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطى رايته العباس أخاه[4]"

 

هذه الراية بحسب الظاهر أنها قد سقطت ولهذا اعتقد جيش بني أمية أنهم قد انتصروا إلا أنهم قد أغفلوا أنهم أسقطوا الراية ورفعوا الرؤوس عاليا وكان الحسين عليه السلام على رمح طويل الذي هو أسمى علامة  في الرفعة من الراية فدلالة الغفلة أنه برفع الراس يكون الحسين منتصرا لأنه يكون شاهدا وشهيدا بما هو أعلى دلالة من رفع الراية.

 

وقد غفلوا بأن الراية قد تسقط في لحظات الحرب وتكر مرتفعة فإذا حددنا الحرب بالقطعة الزمانية القصيرة فقياس النصر والهزيمة تقاس بذلك الزمان ولكن الحسين لم يخرج لإيقاع نزال ذي قطعة زمانية ومكانية بل نزال مستمر باستمرار الوجود البشري على الأرض، وعليه فالراية تقاس في ارتفاعها باستمرار حياة البشر على الأرض، والذي نعاينه أن هذه الراية كلما مر الزمان ترتفع وترتق فدلالة الراية هي دلالة الإصلاح والتغيير في الأمة وهذا الأمر لا يزال مستمرا فرايات الحسين عليه السلام خفاقة في كل مكان ومنابر الإصلاح والوعظ والإرشاد تنتشر في كل بقعة يوجد فيها ذكر للحسين عليه السلام، ولا يزال ذلك الذكر مرتفعا حتى يقوم خليفة الله في الأرض صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف بنشر كل تلك الأهداف الرسالية والحسينية على تمام وجه الأرض، وهناك تبقى راية الحسين  عالية أما بقية رايات الضلال فتزول وتسقط.

 

مالك محمد علي درويش

غرة محرم الحرام 1442 هـ

21 / 8 / 2020 م



[1] سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي - ج ٦ - الصفحة ١٤٨

[2] السيرة النبوية - ابن هشام الحميري - ج 3 - الصفحة 833

[3] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 21 - الصفحة 62

[4] الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - الصفحة 95