الخميس، 26 مارس 2020

الإنسان المعاصر بين البناء الهش والنظر الديني


الإنسان المعاصر بين البناء الهش والنظر الديني

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين
قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج-73)
ذكر في القرآن الكريم بعض آيات الإعجاز الكوني الدال على الخلق والإتقان فضرب أمثلة على عظم خلقه في السماوات والأرض والتي تعجز البشرية إلى اليوم أن تصل إلى منتهاها فهي كلما طلبت مدى أكبر كان أعجز من أن ينال أسراره الإنسان فهذا الكون بحر من المجهولات يستحيل على الإنسان أن يقف على تمام دقائقه مع إيمانه بالنظام المتناسق الشامل له.
هذا الكون الواسع ليس مورد التحدي من قبل الله عز وجل في الخلق بالنسبة لمن هو دون الباري عز وجل فكل ما دونه عز وجل عاجز قطعا عن خلق أقل القليل، ولكننا لو جئنا للإنسان الذي ادعى الربوبية والملكية المطلقة أو التدبير المطلق في الخلق فهو أعجز من أن يخترق منظومته الشمسية فكيف يُطلب منه أن يأتي بخلق شمس أو أصغر كوكب، ولكن حتى يظهر الله عجز هذا الإنسان المتجبر والمتكبر الذي قال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ (النازعات-24) والذي ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (البقرة-258) واتبعه في ادعاءاته خلق يسبحون له ويطيعونه ويعبدونه فما كان من الله أن تحدى المدعين للربوبية بتحد في خلق ضعيف ألا وهو خلق ذبابة، فهي حشرة حقيرة جدا ولكنها آية عظيمة في خلقها ويمكن معرفة عظم ودقة الباري في هذا الخلق بقراءة الأبحاث العلمية المتعلقة بهذا المخلوق الذي نعتبره حقيرا ومقززا.
الذبابة على صغرها قد تصرع أعتى العتاة كما حدث لنمرود الذي أراد حرق النبي إبراهيم عليه السلام.
هذه الحشرة وغيرها قد تكون من أعظم الأسلحة الفتاكة فهي تعيش أينما عاش الإنسان تنقل له الأمراض وصنوف الوباء ولا يستطيع مع كل جبروته أن يتخلص منها إذ يقول بعض العلماء المتخصصين أنه لو قدر لهذه الذبابة أن تتكاثر من دون أن يموت ولا أحد منها لبضعة أيام فقط لغطت تمام سطح الكرة الأرضية بأكثر من غطاء.
هذه الذبابة مع بقية الحشرات الحقيرة من بعوض وبق وغيرها جعلت جبروت الإنسان يمرغ في التراب.
في القديم لم يكن يعرف الإنسان الميكروبات والفيروسات وكانت الأوبئة تتعدد وتفتك به، ولكنه مع ذلك كلما انكشف عنهم الوباء رجع لغطرسته وجبروته.
وفي القرون المتأخرة لما اكتشف الإنسان هذه المخلوقات الأحقر من الذباب والبعوض وأنها علة لأمراض لا تنتهي أيضا يبقى بعد نهاية كل وباء على غطرسته وتجبره وتكبره.
اليوم مع انتشار وباء كرونا (كوفيد-19) نعاين جميعا ضعف هذا الإنسان فثلث العالم تمت محاصرته من فايروس لا تراه العين وبعض من هذا الثلث بالأمس القريب كان يجاهر بكل صنوف المعاصي فامتنع من معاصيه خوفا من يفتك به هذا المرض.
بالأمس القريب كانت هناك شركات تربح الملايين في أسواق البورصات العالمية واليوم بفايروس حقير تخسر قيمة أسهمها.
بالأمس القريب كانت هناك دولا تدعي القدرة العلمية والطبية في معالجة منتسبيها وإذا بها تظهر العجز عن اهتمامها بمرضى الوباء أو تقل حيلتها عن مساعدة المحتاجين لها.
بالأمس القريب هناك أناس ينكرون وجود الله ويتحدونه في ربوبيته واليوم لا يجدون من يفزعون له فلا عجرفتهم وزهوهم بأنفسهم قد فادهم ولا من كانوا يدعون به غير الله ينقذهم.

بالأمس القريب كان بعض الناس في فرح وسرور وعدم مبالاة بما تؤول له المصائر واليوم يحبس أنفاسه خوفاً من المجهول.
في سرعة البرق انقلب حال الدنيا رأسا على عقب فظهر ضعف الإنسان وعجزه وصدق برأي العين قوله  تعالى ﴿وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعيفاً﴾ (النساء-28) والضعيف لا يرفع ضعفه إلا بالقوي لا بضعيف مثله وهنا تجد الفرق بين اطمئنان المؤمن مع أخذه بأسباب الاحتياط لأنه يلجأ ويفزع لله دائما في كل ملماته كما هو في حال حمد وشكر لله على أنعمه وفيوضاته، فحتى لو أصيب فإنه يصاب بلا جزع أو خوف لأنه يرى يد الغيب من خلفه مطمئنا لما سيؤول إليه من مصير سواء كان ذلك المصير حياة أو موت فهو ينظر عند الفراق إلى قوله تعالى ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ‏ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (الفجر- 28)
أما أولئك الذي يتعلقون بعجز إنسان آخر فهم في حالة خوف دائم لأنهم حريصون على الدنيا وما فيها وليس لهم أمل بالقوي العزيز قال تعالى ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً () إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً () وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ (المعارج-19-21) فهلوعا حريصا يجزع من الشر إذا مسه خوفا من ضياع ما معه من متاع الدنيا ومُتَعِها وفي حال تملك متاع الدنيا وأنس بلذائذها حلالها وحرامها فهو أكثر منعا من أن تخرج من يده لغيره وهذا الأمر عايناه في هذا العصر فظهرت حقيقة النظام الرأسمالي كيف تفسخ وانسلخ من إنسانيته في أبشع صورها بحيث أن الرأسمالية تولي اهتمامها إلى الاقتصاد أكثر من اهتمامها بالإنسان نفسه لا يهمها من يموت أو يمرض بل يهمها المال لا يضيع من أيدي أصحاب الشركات الاحتكارية الكبرى على مستوى العالم. فهم أيضا في هلع وخوف على متاعهم الدنيوي من أن يذهب أدراج الرياح.
القرآن الكريم والروايات الشريفة تركز على مركزية الإنسان في الحياة الدنيا والاهتمام بشأنه كقيمة تعلوا على المال وكل متع الحياة الدنيوية، فالدين الإسلامي كنظام يقوم في تنظيمه لحياة الإنسان على أساس التوازن بينه وبين والطبيعة المحيطة به بلا إفراط ولا تفريط.
فكما يرى أن الإنسان له قيمة فردية في خصائصه التي أودها الله عز وجل فيه من عقل وروح ونفس وجسد أهتم كذلك بالبعد في التنظيم العام بين الأفراد القائم على العدل والإنصاف بحيث لا يكون أحدهم أفضل من الآخر على أساس ما متع به من متاع الدنيا.
 فلنأتي لبعض هذه النصوص ونرى الفرق الكبير بين البعد الديني من المنظور الإسلامي والبعد المادي القائم على الرأس مالية البغيضة.
قال الله في محكم كتابه العزيز ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات-13) هنا خطاب قرآني عام لتمام الناس من أي ملة كانوا وعلى أي أرض عاشوا وفي أي زمان كانوا أنتم متساوون في أصل الخلقة فالله هو خالقكم وقدر لكم أن يكون بعضكم إناثا وبعضكم ذكرانا وهذا التوزيع لكي تنبثق منكم الأمم والشعوب لا لكي تتفاضلوا في أصل الخلقة بل لتتكاملوا بين بعضكم البعض وهذا هو التعارف الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان.
 فالتكامل أن يسند بعضكم البعض ويسد هذا القوم نقص ذلك القوم ويستفيد ذلك الشعب من خبرات هذا الشعب ويرفع بهذا الشعب ما احتاجه ذلك الشعب.
ليس لحق أي شعب أو إنسان أن يقول أنا أفضل من ذلك الإنسان كلكم متساوون فعن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أنه قال‏: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبِّكُمْ وَاحِدٌ وَ إِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍ‏ عَلَى‏ عَجَمِيٍّ وَ لَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَ لَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ  وَ لَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ[1] "‏ إذا مقاييس التفاضل البشري في الإسلام ملغية تماما في منظارها المادي بحسب ما يراه الدين.
نعم عنده مقياس تفاضل واحد وهو التقوى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ولا يوجد مقياس آخر عنده ولكن هذا لحاظه أخروي يكون ناظرا إلى بواطن القلوب التي هي منكشفة عند الله عز وجل قال تعالى ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام-3)
أما عندما ننظر للإنسان بما هو فعهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى الأشتر حين ولاه مصر أعطاه قيمة الإنسان بالنظر لأعلى سلطة إذ جاء فيه " فَإِنَّهُمْ (أي الناس) صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ‏ فِي‏ الْخَلْقِ[2]"
القرآن ينظر إلى أن كل ما في الأرض مسخر لهذا الإنسان لأنها أنعم يشترك فيها الجميع ولا يحق لإنسان فرد ان يحتكر رزق الله على نفسه دون الآخرين
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية13) هذا التسخير لا يعني أن الناس ستكون متساوية الغنى والفقر بل سيكون هناك تفاوت تفرضه طبيعة الحياة من أجل استمرارية معيشة الناس ولذا بعضهم يكون رئيسا وبغضهم مرؤوسا، بعضهم عمالا وبعضم مدراء وستجد طبيبا ومهندسا وزراعا وخبازا وغيرهم يتقلبون في رزق الله بما ينظم الحياة الإنسانية، وكل واحد من هؤلاء هو مسخر من جهته لأخيه الإنسان الآخر قال تعالى ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف-32)
هذا التوزيع للأرزاق لا يعني أن الغني يتملك ما في يده بالشكل المطلق بل أن الآخرين شركاْء معه في هذا الغنى بفلسفة التسخير، وعليه هذا المال فيه حق للغير بحسب النظرية الإسلامية قال تعالى  ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات-19) وقال تعالى ﴿وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ﴾ (معارج 24-25) وعن أمير المؤمنين في نهج البلاغة أنه قال " إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ‏ بِهِ‏ غَنِيٌ‏ وَ اللَّهُ تَعَالَى [جَدُّهُ‏] سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِك‏ [3]"
وهذا ما لا تؤمن به الرأسمالية البغيضة القائمة على اعدام حق الآخرين في مال الأغنياء ولذلك يتجبر الغني ويطغى بما يراه من فردية في التملك الأقصى ولذلك لا تكون لبقية أفراد المجتمع قيمة عنده عندما يتنازع الأمر بين بقاء ماله وبين أرواح الناس قال تعالى ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى () أن رآه استغنى﴾ (سورة العلق  6-7)
اللهم آمن أوطاننا وأبعد عنا الأسقام والأمراض واشف جميع المرضى والمصابين وارحم موتى المؤمنين والمؤمنات بحق محمد وآله أجمعين صلواتك عليهم أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.





[1] معدن الجواهر و رياضة الخواطر ؛ ص21
[2] تحف العقول ص: 126
[3] نهج البلاغة للشريف الرضي تفليق(صبحي صالح) ص533

الجمعة، 20 مارس 2020

الامتحان عند نزول البلاء



بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على أشرف الخلق أجمعين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين

الإمام موسى الكاظم عليه السلام واجه من المحن والبلايا أمورا عديدة ربما يكون أشدها بقاءه في غياهب السجن لأعوام عديدة ظلما وعدونا، وابتعاده عن شيعته ومحبيه وهم في أشد الحاجة إليه..
المحن والبلايا لم تفارق الأئمة عليهم السلام فالمحن معهم تتلون وتتغير بمختلف الأوجه، وكانوا يواجهونها بالصبر والصلاة كما في قوله تعالى  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة-153) وهو عليه السلام يسير على منهاج رسمه رسول الله صلى الله عليه وآله لهم تمثل هذا المنهاج على لسان أبي عبد الله الحسين عليه السلام عندما قال "لا محيص عن يوم خُط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصبرُ على بلائه ويوفينا أجور الصابرين"..
والأئمة بما أنهن قادة وقدوة ابتلاهم الله بأشد المحن مع اختلافها لكي يسهل على اتباعهم تقبل ما دونها من المحن والرزايا والخطوب.

المحن والرزايا وكل صعوبات الحياة قد يكون ظاهرها مؤلما وربما يزايد البعض فيعبر عنها بالشر الواقع على الإنسان ولكنها تستبطن الرحمة الإلهية لو استطاع الإنسان أن يتحملها مع حسن إدارتها..
وذلك لأن الإنسان في هذا العالم ليس مخلى السبيل يفعل ما يشاء به كيفما كان من وجه نظر الإسلام فالتعبير القرآني لهذه الحياة أنها دار امتحان ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف-7) فكل ما على الأرض من نعم ليست إلا لموضع الابتلاء ولكن هذا الابتلاء ليس شيئا سيئا بل هو امتحان من خلاله قد يصل الإنسان إلى الفوز الأكبر .. نعم قد يخسر الإنسان بسوء اختياره بين فعل الخير والشر وبين الأخذ بالحق أو الباطل ولكن الذي يحدد الخسران هو الإنسان نفسه ..
فأصل الامتحان والابتلاء خير ما دام هناك قدرة للإنسان بالوصول للحق والفوز بالرضوان فعن الإمام الصادق عليه السلام "وَ اعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ بَيْنَ فِتَنٍ وَ مِحَنٍ فِي الدُّنْيَا إِمَّا مُبْتَلًى بِالنِّعْمَةِ لِيَظْهَرَ شُكْرُهُ وَ إِمَّا مُبْتَلًى بِالشِّدَّةِ لِيَظْهَرَ صَبْرُهُ وَ الْكَرَامَةُ فِي طَاعَتِهِ وَ الْهَوَانُ فِي مَعْصِيَتِه[1]"

والامتحان كلما اشتد كلما كان الفوز أكبر ولذا تتعدد مراتب الجنان كما هو تعدد مراتب الامتحان.
الأمر الأخر لا يعنى الابتلاء دائما في الرزايا والخطوب بل حتى النعم مع كثرتها هي ابتلاء إذ أن في البلاء قد يكون في الرزايا والخطوب فيحتاج إلى الصبر وقد يأتي مع الرخاء فيحتاج إلى الشكر انظر إلى قول النبي سليمان عليه السلام ﴿قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل-40)
هنا يبرز لنا أمر مهم وهو جواب السؤال التالي ما هو مقياس النجاح من هذا الامتحان والابتلاء؟
القرآن منظاره الأسمى هو دار القرار ولحاظه هو القرب الإلهي قال تعالى  ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77].
وقال تعالى ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].
وغير ذلك من الآيات.. نعم هناك منظار دنيوي للابتلاء يدخل في صالح الإنسان نفسه بغض النظر عن المنظار الأخروي.
إذ الابتلاء مع وجود العقل يعد تنمية بشرية فكل بلاء بوحده يعد تجربة تضاف إلى التجارب الأخرى تنمي وتقوي وتعلم الإنسان سر البقاء على الأرض بخلاف باقي الحيوانات والتي كان لكثير منها حظ الأفول والانقراض.. هذا لو حسبنا الأمر من بعده الجمعي أو الاجتماعي.. بل الرصيد يزداد حتى على الصعيد الشخصي فمن لا يواجه البلاء مرات عدة بالصبر والتروي والتفكر لا يقوى عودُه، وينكسر عند أول امتحان..
نعم عدم تراكم التجارب أو عدم أخذ الحيطة والحذر بعد كل بلاء يوقع الإنسان في المهالك.. وهذا يرجع لاختيار الإنسان..
فلو أخذنا ما ابتلينا به في هذا الوقت من الوباء المنتشر عالميا هذه الأيام والمعروف بوباء فايروس كرونا (كوفيد-19) لرأينا أن الأمة أو الأفراد الذين أخذوا جانب الحيطة والحذر هم الذي كانوا من المنتصرين على هذا الوباء إذ علمتهم التجارب السابقة في ما كان ينتشر من أوبئة مماثلة وفي أزمنة مختلفة كيفية التعامل مع مثل هذه الحالة، فهناك أوبئة حصدت أرواح الملايين من البشر كانت حيلة الإنسان منها ضعيفة واليوم يعد الإنسان أكثر وعيا ونضجا ومعرفة بوسائل الحماية ولكن قد يكون الاستخفاف أو التغافل والتعامي وهي من صفات الإنسان المذمومة في التعامل مع مثل هذه الحالات أمة أو أفرادا موردا من موارد هلكته لا لعيب في البلاء بل لاستهتار الإنسان وتغافله عن كل ما مضى من تجارب مشابهة...
فالبلاء يصبح شرا عندما يكون الإنسان قد أعمى بصيرته اتجاهه ويكون خيرا لو أنه أعمل وعيه وبصيرته اتجاهه.

نعم البلاء من عادته لا يدوم حتى لو عم كل العالم إذ البلاء يعد تذكيرا للإنسان على عجزه أمام قدرة خالقه، وكأن البلاء نوع من الحجة البالغة من الله القوي على الإنسان الضعيف يذكره فيها بالرجوع والإنابة إذ من طبع الإنسان أنه متى ما استكثر الخير نسى نفسه أن مخلوق عاجز ونسى ربه أن الخالق الرازق قال تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ () أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ () إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ (العلق-6-8)
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: " ثُمَّ هَذِهِ الْآفَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنَ الْوَبَاءِ وَ الْجَرَادِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا بَالُهَا لَا تَدُومُ وَ تَمْتَدُّ حَتَّى تَجْتَاحَ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ بَلْ تَحْدُثُ فِي الْأَحَايِينِ ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تُرْفَعَ أَ فَلَا تَرَى أَنَّ الْعَالَمَ يُصَانُ وَ يُحْفَظُ مِنْ تِلْكَ الْأَحْدَاثِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي لَوْ حَدَثَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا كَانَ فِيهِ بَوَارُهُ وَ يُلْذَعُ  أَحْيَاناً بِهَذِهِ الْآفَاتِ الْيَسِيرَةِ لِتَأْدِيبِ النَّاسِ وَ تَقْوِيمِهِمْ ثُمَّ لَا تَدُومُ هَذِهِ الْآفَاتُ بَلْ تُكْشَفُ عَنْهُمْ عِنْدَ الْقُنُوطِ مِنْهُمْ فَيَكُونُ وُقُوعُهَا بِهِمْ مَوْعِظَةً وَ كَشْفُهَا عَنْهُمْ رَحْمَةً وَ قَدْ أَنْكَرَتِ الْمَنَانِيَّةُ مِنَ الْمَكَارِهِ وَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُ النَّاسَ فَكِلَاهُمَا يَقُولُ إِنْ كَانَ لِلْعَالَمِ خَالِقٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَلِمَ تَحْدُثُ فِيهِ هَذِهِ الْأُمُورُ الْمَكْرُوهَةُ وَ الْقَائِلُ بِهَذَا الْقَوْلِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَيْشُ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا صَافِياً مِنْ كُلِّ كَدَرٍ وَ لَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَخْرُجُ مِنَ الْأَشَرِ  وَ الْعُتُوِّ  إِلَى مَا لَا يَصْلُحُ فِي دِينٍ وَ لَا دُنْيَا كَالَّذِي تَرَى كَثِيراً مِنَ الْمُتْرَفِينَ وَ مَنْ نَشَأَ فِي الْجِدَةِ وَ الْأَمْنِ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْسَى أَنَّهُ بَشَرٌ وَ أَنَّهُ مَرْبُوبٌ أَوْ أَنَّ ضَرَراً يَمَسُّهُ أَوْ أَنَّ مَكْرُوهاً يَنْزِلُ بِهِ أَوْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْحَمَ ضَعِيفاً أَوْ يُوَاسِيَ فَقِيراً أَوْ يَرْثِيَ لِمُبْتَلًى أَوْ يَتَحَنَّنَ عَلَى ضَعِيفٍ أَوْ يَتَعَطَّفَ عَلَى مَكْرُوبٍ فَإِذَا عَضَّتْهُ الْمَكَارِهُ وَ وَجَدَ مَضَضَهَا اتَّعَظَ وَ أَبْصَرَ كَثِيراً مِمَّا كَانَ جَهِلَهُ وَ غَفَلَ عَنْهُ وَ رَجَعَ إِلَى كَثِيرٍ مِمَّا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَ الْمُنْكِرُونَ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمُؤْذِيَةِ بِمَنْزِلَةِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يَذُمُّونَ الْأَدْوِيَةَ الْمُرَّةَ الْبَشِعَةَ وَ يَتَسَخَّطُونَ مِنَ الْمَنْعِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ الضَّارَّةِ وَ يَتَكَرَّهُونَ الْأَدَبَ وَ الْعَمَلَ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَفَرَّغُوا لِلَّهْوِ وَ الْبِطَالَةِ وَ يَنَالُوا كُلَّ مَطْعَمٍ وَ مَشْرَبٍ وَ لَا يَعْرِفُونَ مَا تُؤَدِّيهِمْ إِلَيْهِ الْبِطَالَةُ مِنْ سُوءِ النشو [النُّشُوءِ] وَ الْعَادَةِ وَ مَا تُعْقِبُهُمُ الْأَطْعِمَةُ اللَّذِيذَةُ الضَّارَّةُ مِنَ الْأَدْوَاءِ وَ الْأَسْقَامِ وَ مَا لَهُمْ فِي الْأَدَبِ مِنَ الصَّلَاحِ وَ فِي الْأَدْوِيَةِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَ إِنْ شَابَ ذَلِكَ بَعْضُ الْكَرَاهَة[2]"
[اللهم] اعْصِمْنِا مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ وَ نَجِّنِا مِنْ كُلِّ بَلَاءٍ وَ آفَةٍ وَ عَاهَةٍ وَ مِحْنَةٍ وَ زَلْزَلَةٍ وَ بَلَاءٍ وَ وَبَاءٍ وَ حَرٍّ وَ بَرْدٍ وَ جُوعٍ وَ عَطَشٍ وَ غُصَّةٍ وَ غَيٍّ وَ ضَلَالَةٍ وَ شِدَّةٍ فِي الدَّارَيْنِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


[1] مصباح الشريعة  ص96
[2] توحيد المفضل، ص: 167-168