الجمعة، 20 مارس 2020

الامتحان عند نزول البلاء



بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على أشرف الخلق أجمعين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين

الإمام موسى الكاظم عليه السلام واجه من المحن والبلايا أمورا عديدة ربما يكون أشدها بقاءه في غياهب السجن لأعوام عديدة ظلما وعدونا، وابتعاده عن شيعته ومحبيه وهم في أشد الحاجة إليه..
المحن والبلايا لم تفارق الأئمة عليهم السلام فالمحن معهم تتلون وتتغير بمختلف الأوجه، وكانوا يواجهونها بالصبر والصلاة كما في قوله تعالى  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة-153) وهو عليه السلام يسير على منهاج رسمه رسول الله صلى الله عليه وآله لهم تمثل هذا المنهاج على لسان أبي عبد الله الحسين عليه السلام عندما قال "لا محيص عن يوم خُط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصبرُ على بلائه ويوفينا أجور الصابرين"..
والأئمة بما أنهن قادة وقدوة ابتلاهم الله بأشد المحن مع اختلافها لكي يسهل على اتباعهم تقبل ما دونها من المحن والرزايا والخطوب.

المحن والرزايا وكل صعوبات الحياة قد يكون ظاهرها مؤلما وربما يزايد البعض فيعبر عنها بالشر الواقع على الإنسان ولكنها تستبطن الرحمة الإلهية لو استطاع الإنسان أن يتحملها مع حسن إدارتها..
وذلك لأن الإنسان في هذا العالم ليس مخلى السبيل يفعل ما يشاء به كيفما كان من وجه نظر الإسلام فالتعبير القرآني لهذه الحياة أنها دار امتحان ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف-7) فكل ما على الأرض من نعم ليست إلا لموضع الابتلاء ولكن هذا الابتلاء ليس شيئا سيئا بل هو امتحان من خلاله قد يصل الإنسان إلى الفوز الأكبر .. نعم قد يخسر الإنسان بسوء اختياره بين فعل الخير والشر وبين الأخذ بالحق أو الباطل ولكن الذي يحدد الخسران هو الإنسان نفسه ..
فأصل الامتحان والابتلاء خير ما دام هناك قدرة للإنسان بالوصول للحق والفوز بالرضوان فعن الإمام الصادق عليه السلام "وَ اعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ بَيْنَ فِتَنٍ وَ مِحَنٍ فِي الدُّنْيَا إِمَّا مُبْتَلًى بِالنِّعْمَةِ لِيَظْهَرَ شُكْرُهُ وَ إِمَّا مُبْتَلًى بِالشِّدَّةِ لِيَظْهَرَ صَبْرُهُ وَ الْكَرَامَةُ فِي طَاعَتِهِ وَ الْهَوَانُ فِي مَعْصِيَتِه[1]"

والامتحان كلما اشتد كلما كان الفوز أكبر ولذا تتعدد مراتب الجنان كما هو تعدد مراتب الامتحان.
الأمر الأخر لا يعنى الابتلاء دائما في الرزايا والخطوب بل حتى النعم مع كثرتها هي ابتلاء إذ أن في البلاء قد يكون في الرزايا والخطوب فيحتاج إلى الصبر وقد يأتي مع الرخاء فيحتاج إلى الشكر انظر إلى قول النبي سليمان عليه السلام ﴿قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل-40)
هنا يبرز لنا أمر مهم وهو جواب السؤال التالي ما هو مقياس النجاح من هذا الامتحان والابتلاء؟
القرآن منظاره الأسمى هو دار القرار ولحاظه هو القرب الإلهي قال تعالى  ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77].
وقال تعالى ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].
وغير ذلك من الآيات.. نعم هناك منظار دنيوي للابتلاء يدخل في صالح الإنسان نفسه بغض النظر عن المنظار الأخروي.
إذ الابتلاء مع وجود العقل يعد تنمية بشرية فكل بلاء بوحده يعد تجربة تضاف إلى التجارب الأخرى تنمي وتقوي وتعلم الإنسان سر البقاء على الأرض بخلاف باقي الحيوانات والتي كان لكثير منها حظ الأفول والانقراض.. هذا لو حسبنا الأمر من بعده الجمعي أو الاجتماعي.. بل الرصيد يزداد حتى على الصعيد الشخصي فمن لا يواجه البلاء مرات عدة بالصبر والتروي والتفكر لا يقوى عودُه، وينكسر عند أول امتحان..
نعم عدم تراكم التجارب أو عدم أخذ الحيطة والحذر بعد كل بلاء يوقع الإنسان في المهالك.. وهذا يرجع لاختيار الإنسان..
فلو أخذنا ما ابتلينا به في هذا الوقت من الوباء المنتشر عالميا هذه الأيام والمعروف بوباء فايروس كرونا (كوفيد-19) لرأينا أن الأمة أو الأفراد الذين أخذوا جانب الحيطة والحذر هم الذي كانوا من المنتصرين على هذا الوباء إذ علمتهم التجارب السابقة في ما كان ينتشر من أوبئة مماثلة وفي أزمنة مختلفة كيفية التعامل مع مثل هذه الحالة، فهناك أوبئة حصدت أرواح الملايين من البشر كانت حيلة الإنسان منها ضعيفة واليوم يعد الإنسان أكثر وعيا ونضجا ومعرفة بوسائل الحماية ولكن قد يكون الاستخفاف أو التغافل والتعامي وهي من صفات الإنسان المذمومة في التعامل مع مثل هذه الحالات أمة أو أفرادا موردا من موارد هلكته لا لعيب في البلاء بل لاستهتار الإنسان وتغافله عن كل ما مضى من تجارب مشابهة...
فالبلاء يصبح شرا عندما يكون الإنسان قد أعمى بصيرته اتجاهه ويكون خيرا لو أنه أعمل وعيه وبصيرته اتجاهه.

نعم البلاء من عادته لا يدوم حتى لو عم كل العالم إذ البلاء يعد تذكيرا للإنسان على عجزه أمام قدرة خالقه، وكأن البلاء نوع من الحجة البالغة من الله القوي على الإنسان الضعيف يذكره فيها بالرجوع والإنابة إذ من طبع الإنسان أنه متى ما استكثر الخير نسى نفسه أن مخلوق عاجز ونسى ربه أن الخالق الرازق قال تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ () أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ () إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ (العلق-6-8)
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: " ثُمَّ هَذِهِ الْآفَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنَ الْوَبَاءِ وَ الْجَرَادِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا بَالُهَا لَا تَدُومُ وَ تَمْتَدُّ حَتَّى تَجْتَاحَ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ بَلْ تَحْدُثُ فِي الْأَحَايِينِ ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تُرْفَعَ أَ فَلَا تَرَى أَنَّ الْعَالَمَ يُصَانُ وَ يُحْفَظُ مِنْ تِلْكَ الْأَحْدَاثِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي لَوْ حَدَثَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا كَانَ فِيهِ بَوَارُهُ وَ يُلْذَعُ  أَحْيَاناً بِهَذِهِ الْآفَاتِ الْيَسِيرَةِ لِتَأْدِيبِ النَّاسِ وَ تَقْوِيمِهِمْ ثُمَّ لَا تَدُومُ هَذِهِ الْآفَاتُ بَلْ تُكْشَفُ عَنْهُمْ عِنْدَ الْقُنُوطِ مِنْهُمْ فَيَكُونُ وُقُوعُهَا بِهِمْ مَوْعِظَةً وَ كَشْفُهَا عَنْهُمْ رَحْمَةً وَ قَدْ أَنْكَرَتِ الْمَنَانِيَّةُ مِنَ الْمَكَارِهِ وَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُ النَّاسَ فَكِلَاهُمَا يَقُولُ إِنْ كَانَ لِلْعَالَمِ خَالِقٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَلِمَ تَحْدُثُ فِيهِ هَذِهِ الْأُمُورُ الْمَكْرُوهَةُ وَ الْقَائِلُ بِهَذَا الْقَوْلِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَيْشُ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا صَافِياً مِنْ كُلِّ كَدَرٍ وَ لَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَخْرُجُ مِنَ الْأَشَرِ  وَ الْعُتُوِّ  إِلَى مَا لَا يَصْلُحُ فِي دِينٍ وَ لَا دُنْيَا كَالَّذِي تَرَى كَثِيراً مِنَ الْمُتْرَفِينَ وَ مَنْ نَشَأَ فِي الْجِدَةِ وَ الْأَمْنِ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْسَى أَنَّهُ بَشَرٌ وَ أَنَّهُ مَرْبُوبٌ أَوْ أَنَّ ضَرَراً يَمَسُّهُ أَوْ أَنَّ مَكْرُوهاً يَنْزِلُ بِهِ أَوْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْحَمَ ضَعِيفاً أَوْ يُوَاسِيَ فَقِيراً أَوْ يَرْثِيَ لِمُبْتَلًى أَوْ يَتَحَنَّنَ عَلَى ضَعِيفٍ أَوْ يَتَعَطَّفَ عَلَى مَكْرُوبٍ فَإِذَا عَضَّتْهُ الْمَكَارِهُ وَ وَجَدَ مَضَضَهَا اتَّعَظَ وَ أَبْصَرَ كَثِيراً مِمَّا كَانَ جَهِلَهُ وَ غَفَلَ عَنْهُ وَ رَجَعَ إِلَى كَثِيرٍ مِمَّا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَ الْمُنْكِرُونَ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمُؤْذِيَةِ بِمَنْزِلَةِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يَذُمُّونَ الْأَدْوِيَةَ الْمُرَّةَ الْبَشِعَةَ وَ يَتَسَخَّطُونَ مِنَ الْمَنْعِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ الضَّارَّةِ وَ يَتَكَرَّهُونَ الْأَدَبَ وَ الْعَمَلَ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَفَرَّغُوا لِلَّهْوِ وَ الْبِطَالَةِ وَ يَنَالُوا كُلَّ مَطْعَمٍ وَ مَشْرَبٍ وَ لَا يَعْرِفُونَ مَا تُؤَدِّيهِمْ إِلَيْهِ الْبِطَالَةُ مِنْ سُوءِ النشو [النُّشُوءِ] وَ الْعَادَةِ وَ مَا تُعْقِبُهُمُ الْأَطْعِمَةُ اللَّذِيذَةُ الضَّارَّةُ مِنَ الْأَدْوَاءِ وَ الْأَسْقَامِ وَ مَا لَهُمْ فِي الْأَدَبِ مِنَ الصَّلَاحِ وَ فِي الْأَدْوِيَةِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَ إِنْ شَابَ ذَلِكَ بَعْضُ الْكَرَاهَة[2]"
[اللهم] اعْصِمْنِا مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ وَ نَجِّنِا مِنْ كُلِّ بَلَاءٍ وَ آفَةٍ وَ عَاهَةٍ وَ مِحْنَةٍ وَ زَلْزَلَةٍ وَ بَلَاءٍ وَ وَبَاءٍ وَ حَرٍّ وَ بَرْدٍ وَ جُوعٍ وَ عَطَشٍ وَ غُصَّةٍ وَ غَيٍّ وَ ضَلَالَةٍ وَ شِدَّةٍ فِي الدَّارَيْنِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


[1] مصباح الشريعة  ص96
[2] توحيد المفضل، ص: 167-168


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق