رسالة لمن يسير حياته وحياة الآخرين بالرؤى
في أحد أعوام الحج كانت معنا امرأة تدعي رؤية النبي وأهل
بيته صلوات الله عليهم أجمعين وهي ترتب على تلك الرؤى آثارا عملية خارجية على
نفسها وغيرها وتدعي أنها ملهمة وذات بصيرة وأنها موضع اهتمام خاص من قبل أهل البيت
عليهم السلام، وأن ما يسوء الأمر أنها تحل المشاكل الأسرية وغيرها عن طريق ذلك
وكانت لي معها نقاش جرى في مكة كي أثنيها عن ذلك وبعدما رجعت أرسلت لها هذه
الرسالة وقد حذفت الاسم كي لا يكون ذلك موضع التشهير، وهذه الرسالة تفيد قارئها
أمام من يدعي الرؤية والمشاهدة بكثرة ويرتب آثارا عملية على الآخرين.
وعلينا قبل القراءة أن نعي أنني لا أنفي الرؤيا مطلقا إذ
قد تحدث أحيانا ويأخذ منها العضة والعبرة مالم تخالف الأوامر الشرعية ومقتضيات
العقل وسيرة العقلاء، ولكن ادعاء الكثرة وترتيب حياة الفرد والناس عليها فهذا ما
تصديت له في هذه الرسالة... فإليكم هذه الرسالة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخت ............ ... المحترمة
كنت مترددا في الكتابة لك بشأن ما تدعيه من رؤية لأهل
البيت عليهم السلام أو لما تدعينه من وحي وبصيرة وما يقتضي ذلك من ترتيب أثر على
واقع حياتك بل وحتى حياة الآخرين فيما يتعلق بشؤونهم المرتبطة بحياتهم الأسرية
والاجتماعية بل حتى مع علاقتهم بالله ما يكون مآلهم من جنة أو نار وطاعة أو عصيان.
كلامي السابق في مكة المكرمة كنت أرجوه أن يكون منبها لك
عن خطأ ما تدعينه، ولكن إصرارك بأن ما يتراءى لك أنه حقيقة وواقع جعلني أكتب لك
هذه السطور علّها تكون منبِّها أقوى من السابق.
تدعين أنك رأيت النبي محمدا وعليا وفاطمة وبعض الأئمة
صلوات الله عليهم أجمعين في المنام وأنهم هم من يدعونك لزيارتهم وبالطبع تؤمنين إن
صور النبي وأهل بيته عليهم السلام لا يمكن للشيطان أن يتمثل بها لما روي عنه صلى الله
عليه وآله "من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي"
فلو فرضنا صحة الحديث مع أنّ الحديث ضعيف سندا كما يذهب
له المحققون في عالم الحديث إلا أنه كيف يمكن إثبات أن من رأيته هو النبي (ص) وأنت
لم تريه في الواقع الخارجي فالشيطان لا يقع على صورة النبي كما هو في الواقع ولكن
قد يكذب الشيطان ويدعي أنه النبي وهو على هيئة أخرى ويوهمك بذلك فيبدأ بدعوتك
بطريق صالح للإيقاع بك في فخ التسليم بما يريد حتى تؤمني بأوهام الأحلام والرؤى
وتترك وقائع الخارج فيما يرتبط بسلوك الإنسان العملي والديني.
الفقهاء يجمعون على عدم حجية الرؤى والأحلام فكيف لك أن
ترتبي أثرا عمليا عليه وهذا مخالف لما يراه الفقهاء.
أنقل لك هذه الرواية وفيها العظة والعبرة "عن زرارة قال: قال
أبو عبد الله عليه السلام: أخبرني عن حمزة أيزعم إن أبي يأتيه؟
قلت: نعم
قال: كذب والله ما يأتيه إلا المتكون إن إبليس سلط شيطانا يقال له: المتكون
يأتي الناس في أي صورة شاء إن شاء في صورة صغيرة وإن شاء في صورة كبيرة، ولا والله
ما يستطيع أن يجيء في صورة أبي عليه السلام[1]"
وهذا واضح أن إبليس قد يدعي أنه النبي أو الإمام ويأتي
في صورة حسنة فيتوهم الرائي بأنه رأى النبي (ص) وهو ليس كذلك.
وإليك كلام الفيض الكاشاني: "أنّه
من رآه بصورته الَّتي كان عليها في الدّنيا بحليته المباركة فقد رآه فإنّ الشيطان
لا يتمثّل بتلك الهيئة والحلية فرؤيته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في المنام
إنّما تصحّ لمن رآه في حياته وعرفه بحليته الَّتي كان عليها، ثمّ رآه في المنام
بتلك الحلية بعينها دون من لم يره وإنّما سمع به، لجواز أن يتمثّل الشيطان بصورة
غير صورته ثمّ أوقع في وهم هذا الرّائي أنّه هو، وهذا واضح بحمد اللَّه[2]"
وهذا كلام الشريف المرتضى وهو
من كبار مراجع الطائفة عندما أورد السؤال: "ما تأويل ما يروى عنه صلى الله
عليه وآله وسلم من قوله: (من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي) وقد علمنا أن
المحق والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبي صلى الله عليه وآله ويخبر كل واحد
منهم عنه بضد ما يخبر به الآخر، فكيف يكون رائيا له في الحقيقة مع هذا؟
قلنا: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، ولا معول
على مثل ذلك. على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به: من رآني في اليقظة
فقد رآني على الحقيقة، لأن الشيطان لا يتمثل بي لليقظان. فقد قيل: إن الشيطان ربما
تمثل بصورة البشر. وهذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر، لأنه قال: من رآني فقد
رآني، فأثبت غيره رائيا له ونفسه مرئية، وفي النوم لا رائي له في الحقيقة ولا مرئي،
وإنما ذلك في اليقظة. ولو حملناه على النوم، لكان تقدير الكلام: من اعتقد أنه
يراني في منامه وإن كان غير راء له في الحقيقة، فهو في الحكم كأنه قد رآني. وهذا
عدول عن ظاهر لفظ الخبر وتبديل لصيغته[3]"
ويقول أحد أعلامنا في كتابه كنز الفوائد "وقد كان شيخي رحمه الله
يقول إذا جاز من بشر ان يدعي في اليقظة انه إله كفرعون ومن جرى مجراه مع قله حيلة
البشر وزوال اللبس في اليقظة فما المانع من أن يدعي إبليس عند النائم بوسوسته له
انه نبي مع تمكن إبليس بما لا يتمكن منه البشر وكثرة اللبس المعترض في المنام ومما
يوضح لك ان من المنامات التي يتخيل للإنسان انه قد رأى فيها رسول الله والأئمة
صلوات الله عليهم منها ما هو حق ومنها ما هو باطل[4]"
هذا الأمر الذي تدعينه لا موجب لثبوته غير الدعوى وبغض
النظر عن الاشتباه والحقيقة فيه فلا يمكن الأخذ بالرؤيا مطلقا في مجاري الحياة إلا
في مجار ضيقة أما أن تبنين كل ما ترينه بحسب دعواك من رؤى وتقومين بتطبيقه خارجا
في واقع الحياة وعلى الناس فهو مناف للحكمة والعقل.
كيف وإذا أضفنا إخبارك بالمغيبات بما يؤول إليه حال
الناس ثوابا وعقابا وجنة ونارا، ودعوى الوحي والإلهام والرؤية بالبصيرة كما تدعين،
وكل هذا داخل في تزكية النفس التي مقتها الله في كتابه إذ يقول
" فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى[5]".
ما
أعتقده أنك تعيشين في وهم كبير جعلك تصدين عن التفكير العقلاني والمنطقي وتذهبين
إلى عالم الوهم والخيال بدعاوى مختلفة، فلو أن الدين كان يريد أن يسيرنا بالأحلام
والرؤى والإلهام الذي يمكن أن يدعيه أي مدع لكان ديننا ومذهبنا دينا ومذهبا هزيلا
لا حجة له إلا المدعين من هنا وهناك إذ ما المرجح لقولك لو ادعى آخر خلاف كلامك ونحن
نرى في هذا العالم كثرة المدعين لرؤية النبي (ص)، هدانا الله وإياك لطريق الحق الي
لا يشوبه شك ولا ريب والحمد لله رب العالمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق