المقدمة:
البعض يتعامل مع أبي طالب وغيره من الشخصيات بحكم سابق
قبل قراءة حقيقة هذه الشخصية بما أفرزه التاريخ من مواقف متعدة.
فتارة البعد العقائدي يكون حاكما على الشخصية كما يرى
الشيعة أن آباء الأنبياء والأئمة موحدون ومطهرون من كل دنس وفي الطرف الآخر يرون
عدم مانعية الكفر من ثبوت الأبوة. وهذا البحث سيعطي نتيجة مسبقة في إيمان أو كفر
أبي طالب، أضف إلى ذلك عندما ينظرون إلى عدم عصمة شخصيات الأئمة أصلا وأنهم كآحاد
غيرهم من المسلمين مما يلغي أي ميزة لآبائهم على آباء غيرهم.
فعلى هذا فيكون ميزان الاحتجاج الثاني هو دراسة الشخصية
من جهة النقولات التاريخية، وفي هذه الجهة أيضا تواجهنا مشكلة المصادر المعتمدة في
النقولات التي تعطي الصورة الواقعية للشخصية الواقعة تحت الدراسة.
فهنا ما يكون
مختصا بمصدر معتبر عند فئة دون الفئة الأخرى إلا من باب الإلزام فيمكن الاحتجاج به
عند إذ ولكن ما يكون مشتركا في النقل يمكن الوقوف عليه ابتغاء التحليل لمعرفة
حقيقة ما تستبطنه الشخصية من جهة ما تكتنفه إيمان أو ضده.
فهنا نريد أن نقف على المواقف بصورة متأملة لكي نعرف
ماذا يعني أبو طالب في حياة النبي صلى الله عليه وآله وفي حياة الإسلام، وهل من
الناحية القراءة التاريخية لمسيرته أو النصوص الواردة فيه نخرج بنتيجة مفادها
الإيمان الحقيقي لقلب شغل الدين كل وجدانه أو بشخصية تعمل بوازع العصبية أو الخلق
العربي في حماية الجار أو غير ذلك.
الملاصقة الشديدة:
استسقاء عبد المطلب بالنبي بحضور ابي طالب:
خروج أبي طالب مع ابيه عبد المطلب في حادثة الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه
وآله ذكرها الشهرستاني في الملل والنحل "ومما
يدل على معرفته (يقصد عبد المطلب) بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم
ذلك الجذب العظيم وأمسك السحاب عنهم سنتين أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى
محمدا صلى الله عليه وسلم فأحضره وهو رضيع في قماط فوضعه في يديه واستقبل الكعبة
ورماه إلى السماء وقال يا رب بحق هذا الغلام ورماه ثانيا وثالثا وكان يقول بحق هذا
الغلام أسقنا غيثا مغيثا دائما هطلا فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء وأمطر
حتى خافوا على المسجد..
وأنشد أبو طالب ذلك الشعر اللامي منه
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه****** ثمال اليتامى عصمة
للأرامل
يطوف به الهلاك من آل هاشم ****** فهم عنده في نعمة
وفواصل
كذبتم ورب البيت نبزى محمدا ********* ولما نطاعن دونه
ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ***********ونذهل عن أبنائنا
والحلائل[1]
فإذا كان جد النبي عبد المطلب عارفا بشرف النبوة فقد كان
ذلك الشرف حاضرا وملوسا عند أبي طالب فأبياته التي وردت في حق النبي (ص) في روايات
مختلفة دالة على ذلك العلم الغزير بشأن النبي في نفس أبي طالب
استسقاء أبي طالب بالنبي:
روى ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال : قدمت مكة وقريش في قحط ، فقائل منهم
يقول : اعتمدوا واللات والعزى . وقائل منهم يقول : اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى
فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي : أنى تؤفكون وفيكم بقية إبراهيم وسلالة
إسماعيل . قالوا : كأنك عنيت أبا طالب ؟ قال : إيها . فقاموا بأجمعهم وقمت معهم
فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه عليه إزار قد اتشح به فثاروا إليه
فقالوا : يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال فهلم فاستسق لنا فخرج أبو طالب
ومعه غلام كأنه شمس دجنة تجلت عليه سحابة قتماء وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق
ظهره بالكعبة ولاذ بأصبعه الغلام وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا
أغدق واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي . وفي ذلك يقول أبو طالب :
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ****** فهم عنده في نعمة وفواضل[2]
هذا النقل التاريخي يدلل على أن أبا طالب على معرفة تامة بهذا الغلام ومدى
ارتباطه بعالم الغيب وهذه المعرفة هي السبب وراء اهتمامه الشديد به ورعايته فائقة
النظير وحمايته المحكمة له وليس الأمر بلحاظ العصبية والقربى فقط.
وصية عبد المطلب بكفالة أبي طالب للنبي:
روى
الشيخ الصدوق بسنده عن ابن عباس أن عبد المطلب حين حانته الوفاة " بعث إلى
أبي طالب ومحمد على صدره وهو في غمرات الموت وهو يبكى ويلتفت إلى أبي طالب ويقول :
يا أبا طالب انظر أن تكون حافظا لهذا الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه ولا ذاق شفقة
أمه ، انظر يا أبا طالب أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك فإني قد تركت بني كلهم
وأوصيتك به لأنك من أم أبيه ، يا أبا طالب إن أدركت أيامه فاعلم أني كنت من أبصر
الناس وأعلم الناس به ، فإن استطعت أن تتبعه فافعل وانصره بلسانك ويدك ومالك فإنه
والله سيسودكم ويملك ما لم يملك أحد من بني آبائي ، يا أبا طالب ما أعلم أحدا من آبائك
مات عنه أبوه على حال أبيه ولا أمه على حال أمه فاحفظه لوحدته ، هل قبلت وصيتي فيه
؟ فقال : نعم قد قبلت ، والله علي بذلك شهيد ، فقال عبد المطلب : فمد يدك إلي ،
فمد يده إليه ، فضرب يده على يده ثم قال عبد المطلب : الان خفف علي الموت ، ثم لم
يزل يقبله ، ويقول : أشهد أني لم أقبل أحدا من ولدي أطيب ريحا منك ولا أحس وجها
منك ، ويتمنى أن يكون قد بقي حتى يدرك زمانه ، فمات عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين
، فضمه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه ساعة من ليل ولا نهار وكان ينام معه حتى لا
يأتمن عليه أحدا[3]"
هذه الرواية وإن كانت في كتب الشيعة إلا أن المؤرخين
والمحدثين يتفقون على أن أبا طالب كان الوصي من قبل عبد المطلب على رسول الله وهذا
نتيجة ثقة عبد المطلب بابنه أبي طالب أنه هو أفضل من يرعاه من أولاده وأنه أرفق به
من غيره وقد صدق ظنه به إذ صار لا يفارقه في حله وترحاله ولذا علينا أن نتأمل في
ما روي من الفريقين عن رحلة الشام الأولى لرسول الله مع أبي طالب.
رحلة الشام الأولى للنبي مع أبي طالب:
"روى ابن سعد وابن عساكر عن داود بن الحصين أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان ابن اثنتي عشرة سنة . قال البلاذري : وهو الثبت .
عبد الله بن محمد بن عقيل وابن سعد عن عبد الرحمن بن
أبزى، والبزار والترمذي وحسنه عن أبي موسى الأشعري، وابن سعد عن داود بن الحصين
وأبو نعيم عن محمد بن عمر الأسلمي ، والبيهقي عن محمد بن إسحاق قالوا : إن أبا
طالب أراد المسير في ركب إلى الشام
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي عم إلى من
تخلفني هاهنا ؟ وصب به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق له أبو طالب فلما سارا
أردفه خلفه فخرج به فنزلوا على صاحب دير فقال صاحب الدير : ما هذا الغلام منك ؟
قال : ابني . قال : ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي . قال : ولم ؟ قال :
لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي . قال : وما النبي ؟ قال : الذي يوحى إليه من
السماء فينبئ أهل الأرض. قال الله أجل مما تقول . قال فاتق عليه اليهود .
ثم خرج حتى نزل براهب أيضا صاحب دير فقال : ما هذا
الغلام منك ؟ قال : ابني قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي . قال : ولم
؟ قال : لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي . قال : سبحان الله ! أجل مما تقول. وقال
أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم : يا بن أخي ألا تسمع ما يقولون ؟ قال : أي عم
لا تنكر لله قدرة .
خبر بحيرا فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة
له قال ابن إسحاق: وكان أعلم أهل النصرانية . فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا
كثيرا ما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يعرض لهم ، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا
قريبا من صومعته فرأى وهو في صومعته رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركب حين
أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى
الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
استظل تحتها ، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول
الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذا سيد العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين .
فقال له أشياخ من قريش : وما علمك ؟ قال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يمر بشجر
ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدان إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل من
غضروف كتفه مثل التفاحة . ثم رجع وأمر بطعام كثير فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إني
صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وإني أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم
. فقال رجل : يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك
كثيرا فما شأنك؟ فقال بحيرا : صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن
أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه . فاجتمعوا إليه ، فلما أتاهم به وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم راح مع من يرعى الإبل . وفي رواية: فتخلف رسول الله صلى
الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم، فلما نظر بحيرا لم ير
الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا مشعر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا
قالوا: ما تخلف عنك أحد يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالنا.
فقال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام . فقام الحارث
بن عبد المطلب فأتى به، فلما أقبل وعليه غمامة تظله فقالوا : انظروا إليه عليه
غمامة تظله . فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء
الشجرة عليه ، فقال : انظروا ما فيء الشجرة عليه هذا نبي هذه الأمة الذي يرسله
الله إلى الناس كافة .
وفي ( الزهر ) نقلا عن محمد بن عمر الأسلمي أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لما فارق تلك الشجرة التي كان جالسا تحتها وقام انفلقت من
أصلها حين فارقها وجعل يلحظه لحظا شديدا ينظر إلى أشياء من بدنه قد كان يجدها عنده
في صفته وقال لقومه : هذه الحمرة التي في عينيه تأتي وتذهب أو لا تفارقه ؟ قالوا :
ما رأيناها فارقته قط . فأقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا غلام أسألك
باللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه . وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع
قومه يحلفون بهما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسألني باللات والعزى
فوالله ما أبغضت وبغضهما شيئا . فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك .
فقال : سلني عما بدالك . فجعل يسأله عن أشياء من حال نومه ويقظته وجعل رسول الله
صلى الله عليه وسلم يخبره فوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ، ثم نظر إلى ظهره فرأى
خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته عنده فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب
فقال : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني . فقال بحيرا: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا
الغلام أن يكون له أب حي . قال : فإنه ابن أخي . قال : فما فعل أبوه ؟ قال : مات
وأمه حامل به . قال: صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلدك واحذر عليه اليهود فوالله لئن
رأوه وعرفوا منه ما عرفت لَيُبْغَنَّه شرا فإنه كائن لابن أخيك شأن . فأسرع به إلى
بلاده ولا ذهب به إلى الروم فإن الروم رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه. والتفت عنه
بحيرا فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال : ما جاء بكم ؟
قالوا : جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر
فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال : أفرأيتم
أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده ؟
قالوا: لا فبايعوه وأقاموا معه. فأتى قريشا فقال :
أنشدكم بالله أيكم وليه قالوا: أبو طالب . فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وأرسل
معه رجلا وزودهم الراهب من الكعك والزيت.
وقال: أبو طالب في هذه السفر قصائد منها ما ذكره ابن
إسحاق وأبو هفان في ديوان شعر أبي طالب:
إن ابن آمنة الأمين محمدا * عندي بمثل منازل الأولاد
لما تعلق بالزمام رحمته * والعيس قد قلصن بالأزواد
فارفض من عيني دمع ذارف * مثل الجمان مفرق الأفراد
راعيت منه قرابة موصولة * وحفظت فيه وصية الأجداد
وأمرته بالسير بين عمومة ** بيض الوجوه مصالت أنجاد
ساروا لأبعد طية معلومة** فلقد تباعد طية المرتاد
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لا قوا على
شرك من المرصاد
إذا كان أبو طالب يصف إخبار بحيرا الراهب بالحديث الصادق
والنبي لا يزال غلاما هل يمكن القول بعد ذلك أن أبا طالب كان جاهلا بنبوة ابن أخيه
أو كان قلبه خاليا من الإيمان به.
المدقق في أحوال أبي طالب مع النبي في صغره لا يمكن إلا
أن يصل إلا إلى نتيجة واحدة وهي أن أبا طالب على يقين بنبوة النبي واتصاله بالسماء
منذ نعومة أظفار النبي صلى الله عليه وآله، ولذا كل ما يقال في أبي طالب من
اتهامات لا تخلو من الوضع والتزييف وذلك
لآنها تتعارض مع كل ما يذكر من أحوال لأبي طالب مع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق