آدم عليه السلام
بين النعيم والامتحان
كان آدم عليه السلام في
جنته ذات الخضرة والماء بجانب زوجه حواء أنيسه ومؤنسه كالملكين لا ينغص عليهما في
هذه الجنة الجميلة منغص، يستمتعان بوقتهما أيما استمتاع حتى أنه لو كان هناك إنسان
موجود يراهما لحسدهما مما هما فيه من نعيم.
الظاهر أنه نعيم إذ لم يكن
يتصور أحدهما أن هناك حسداً أو حقداً أو كراهيةً أو غير ذلك من منغصات النفس
الشيطانية. آدم خلقه الله ورأى من هذه الجنة كرامة وأي كرامة، فكل إنسان يتمنى أن
يعيش هذه العيشة الصافية والخالية من المكدرات.
في كل هذا النعيم لا يوجد
إلا امتحان تحذيري واحد عليك يا آدم أن تنتبه له ﴿لَا تَقْرَبَا
هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فقط هذا هو التنبيه. لكن لماذا؟! فهي أحد هذا النعيم والجنة الغناء.
سؤال محيّر فعلاً، فما المائز بينها وبين بقية الأشجار؟!
لنترك الأمر ولننسى شأن هذه الشجرة... ولكن.. قف
لحظة.. وفكر معي ألا تحب أن تبقى في هذه الجنة للأبد؟ أليس العيش في هذه الجنة بكل
صنوفها وجمالها رغبة تطمع فيها النفس البشرية التواقة للجمال والسعادة؟ هل يستطيع
إنسان أن يقول لا للأبدية في مثل هذا النعيم؟ يا آدم هذا النهي ليس تكليفيا تستحق
عليه العقاب. هذا النهي لا يترتب عليه جنة أو نار. ﴿مَا
نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ
تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ لهذا السبب فقط.. ألا تحب أن تكون في
مرتبة أعلى ألا تحب الخلود، إذا فلتأكل منها..
نعم أكل آدم منها بعد أن دلهما الشيطان بغرور..
وأكثر العجب من آدم أنه لم يكن يتصور حقد وحسد الشيطان له إلا بعد هذه اللحظة التي
ذاقا فيها الشجرة فتكشفت لهما كل سواد السوء من ابليس بعد أن كانا لا يريان إلا
الخير.. كأني بآدم يصرخ من أعماق قلبه وبأعلى صوته " كيف لي أن أنسى ما حذرني
ربي منه فهو عدو" ...
لم يكن آدم قد ذاق معنى العداوة والحقد والبغضاء،
ولكنه بعد هذه الحادثة تراء له بالبصر والبصيرة ماذا يعني وجود الشيطان في حياة
الإنسان.
آدم بعد الجنة
أن يذهب منك كل شيء فهذا
أمر عزيز، ولكن أعز منه أن تطرد منه، آدم يعلم أن الجنة لم تكن ملكه ولن تكون ملكه
في يوم ما. هو يعلم أنه مخلوق من أجل الخلافة في الأرض كي يعمرها هو وبنيه من
بعده.
سقط أبونا آدم عليه السلام في امتحانه التجريبي
وكانت الجنة امتحان صعب عليه خسر فيه الرهان وعليه أن يعوض ما فاته.
أُنزِل إلى الأرض. إلى أرض قاحلة بلا شجر ولا مأوى
ولا زوجة ولا أنيس فقد خسر كل ذلك النعيم الكبير في الامتحان العسير.
كان هذا الامتحان مقررا له حتى يُعلِّم ذريته
التوحيد الحقيقي بأن كل ما يرونه من نعيم فهو غير باق لهم إذ لا يبقى شيء إلا وجه
الله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
أرض مكة القاحلة والخشنة ذات الحجارة الصماء مدرسة
التوحيد الحقيقة، فكيف للإنسان أن يدرك ذلك لولا أنّ آدم نزل من جنته إليها. فأرض
مكة اقترنت بالتجريد للنفس البشرية إذ لا مخيط ولا زوجة ولا زينة ولا غير ذلك من
نعيم الدنيا فكما نزل أبونا آدم بها ننزل بها نخلع ثياب نعيم الدنيا ومتعلقاتها
فتنكشف كل لنا سوءات معاصينا بما تحويه من قاذورات الخطايا والذنوب ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا﴾.
رحلة التوبة شاقة وهي كلفة ذلك النعيم المُغْدَق
على الإنسان فمع كونها شاقة فهي تستحق العناء وتنتهي بأجمل أمنية تتمناها في منى
كما تمناها أبونا ونبينا آدم عليه السلام فعرف طريق السعادة الأبدية. ولكن بشرط ما
عمله آدم بعد الهبوط التوبة الخالصة والعمل الصالح والاجتهاد في التكفير من
الخطايا فأبونا آدم ذاق مرارة المعصية فكفرها بحلاوة الابتهال ..فإليك أبتهل يا ربي.
مالك محمد علي درويش
2 – 8 – 2016 مـ
27 شول 1437 هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق