الثلاثاء، 19 نوفمبر 2019

الاختلاف في شخصية النبي الأكرم ورسالته لا تنافي الوحدة بين المسلمين


لماذا تتعدد رؤيتنا للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله؟
نبي الأمة واحد وهو خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الأمي التهامي المكي ولادة ونشأة والمدني هجرة وهو خير الخلق أجمعين، فهل هناك من يشك في ذلك؟

القراءات المختلفة في الرسول الأكرم (ص) ورسالته:
اختلفت الأنظار في شخص النبي من جهة البعد الروحي كما اختلفت في شريعته من جهة تمام حقيقتها وتمام غايتها؟
هذا الاختلاف ليس وليدا لعصر متأخر عن النبي الأكرم بل هو ابتدأ من بداية دعوته للإسلام واستمر حتى هذا اليوم. بل ربما يقال أن هذه النظرة قد تسبق ولادته حتى عندما ينظر فيها إلى حقيقة النبوة.
فالصحابة الذين عايشوا النبي الأكرم لم يكونوا على نفس النظرة لشخصية الرسول، فهناك من يرى العصمة بشكلها المطلق في الرسول الأكرم وهناك من يراه قابلا للنقاش بل للمسائلة والاعتراض وهناك من قال أنه معصوم في التبليغ وهو كأحدهم في غير التبليغ.
وهكذا النظر إلى الرسالة كان ينظر لها بأنها رسالة أيمان في إيجاد العلاقة بين الفرد وربه وهناك من ينظر إليها أنها أكبر من ذلك في تشمل دستور حياة متكامل في تمام التشريعات على الأرض وفي هذا الإطار أيضا من يرى الخلافة امتداد للرسالة في شقها السياسي وهناك من يرى الخلافة امتداد إلهي يشمل تمام ما يرتبط بالدين والدنيا.
تعمقت هذه التصورات على المستوى النظري والعلمي ولكن المأساة ما تبعته من آثار خلافية في المجتمع الإسلامي أدت للتشاحن والتباغض بل وللقتل والقتال فيما بينهم.

فكلنا يعلم بالخلافات التي جرت في حياته بينه وبين قومه الذيم آمنوا بهم بعد فتح مكة وكانوا طلقاء له هؤلاء لهم فهم خاص بالنبي والنبوة وكذا كلنا يعلم ما جرى بين الصحابة في عهد النبوة حول الرسول صلى الله عليه وآله، وكلنا يعلم بما جرى حين انتقاله إلى الرفيق الأعلى وما جرى في داره من خلاف شديد وما بعد ذلك من حوادث في عهد الخلفاء

هل هناك فرق بين الرؤيتين لشخصية النبي ورسالته بين من عاصره وبين الأجيال اللاحقة إلى هذا اليوم.
بالتأكيد هناك فرق كبير فمن عاصره كان يعيش اللحظة بعد اللحظة في نزول الرسالة وكان يرى النبي في تفاصيل حياته بما لم تراه الأجيال اللاحقة ولذا كانت مساحة الغلط عمدا أو سهوا أو الاشتباه في النقل تكون محدودة لإمكان تكذيبها ونفيها على لسان النبي أو المقربون منه كأهل بيته إلا أن المشكلة الكبرى في زمن النبي وهو أول زمان النهوض بالأمة كان الأعم الأغلب من المسلمين الأوائل ليسوا على مستوى الوعي النبوي نعم هناك يوجد صفوة مقربة من النبي يمتازون بذلك الوعى إذا استثنينا أهل البيت عليهم السلام فهناك مثل سلمان والمقدار وأبو ذر وغيرهم، ولكن الأكثر كما نقرأ في التاريخ كانوا أميون لا يقرؤن ولا يكتبون وليس لهم دراية علمية، وبلا إشكال فإن  بعض الأفكار الجاهلية كسلوك أمتزج بحياتهم وطريقة تفكيرهم ونظرتهم للحياة والناس والكثير من معاملاتهم لا يعني أنها اختفت بمجرد اسلامهم بل بقي شيء منها وهو ليس بالقليل في طريقة التعاطي مع الكثير من الأمور كل هذا أثر سلبا في التعاطي مع الرسول ونظرتهم للرسالة، وهذا واضح جدا لما تواتر في النقل من خلاف تحت سقف السقيفة في تعيين الخليفة من بعد الرسول مع تواتر الروايات في نصيتها لعلي وأهليته لها مما يدلل أن القبلية تغلبت على قيم الحضارة الناشئة على لسان النبي وبمراجعة بسيطة في أسباب تنحية الإمام علي عليه السلام وما جرى من خلافات في زمن الخلافة حتى تحولها إلى ملك عضوض نعلم أن النظرة للرسالة كانت متباينة وفي خطوط متقاطعة وبعضها متوازية لا تقبل اللقاء.
أما في الزمان المتأخر حيث أن العلم أخذ طريقه في أجيال لاحقة كانت تعاني من كثرة الموروث واختلاف المصادر وتضاربها مع بعضها البعض مما سبب تشويشا في النظرة للرسول والرسالة، جزءا منه كان موروث نظرة الآباء الأوائل أنفسهم وبعضها كان دخيلا من خارج الإطار الإسلامي كبعض الأفكار التي تنظر للنبي كحالة نبوغ خاص أو للرسالة كأداة للبناء الفرد على المستوى الروحي بلا علاقة مجتمعية أو معاملاتية أو غير ذلك من أبعاد في بناء حضارة إسلامية شاملة ذات بعد إلهي محض.

تعامل النبي الأكرم مع مختلف الآراء في شخصه ورسالته:
لا يستطيع أحد أن يدعي أن النبي لم يكن يعلم بأنظار الآخرين من المسلمين وغيرهم في شخصه ورسالته وهو قد تعاطى مع الجميع وإن كان دوره إبراز شأن الرسالة وحقيقتها وما تهدف إليه من باب كونه بشيرا ونذيرا وهاديا ومرشدا إلا أنه لم يسبق شرطية توحيد الرؤية حوله وحول الرسالة لدخول الإسلام بل اكتفى بالشهادتين للانضمام في حوزة الإسلام ويكفي أن نطرح قضيتين فاصلتين الأولى تعاطيه مع المنافقين بالمدينة وكان مطلعا عليهم بشخوصهم وكانوا يضمرون الكفر فكان رأس النفاق هو عبد الله بن أبي بن سلول وفي غزوة أحد قام بخيانة عظيمة جدا قبل بدأ المعركة لكي يهز الجيش ويجعله متصدعا منهزما نفسيا قب بدأ المعركة فقد سحب أتباعه وجماعته وهم يقدرون بثلاث مائة مقاتل أي ما يقارب ثلث الجيش، ولا غرو أن ثلث الجيش رقما صعبا في أي معركة وهو يعد من أسباب الهزيمة التي لحقت بالمسلين في المعركة ومع هذا لم يقم النبي بتصفيته أو تصفية أعوانه مع ما يحملونه من نظرة سلبية حلول شخص النبي وحول الرسالة بل كانوا يعملون ليل نهار بعكس ما يقوله النبي ولذا قال تعالى فيهم ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ () اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ () ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ[1]
والحادثة الثانية هي في فتح مكة فقد دخل أعداء الأمس الذين قاتلوا الرسول ورسالته وبعد التمكن منهم اكتفى بالشهادتين في إعلان إسلامهم مع كل السلبيات التي سبقت منهم والتي لا شك أن بعضهم لم تتغير نظرته حول رسول الله صلى الله عليه وآله وحول رسالته قيد أنملة وأنما جعل من الرسالة مغنما فيما بعد كملك عضوض حارب به أهل البيت عليهم السلام.
إذا النبي صلى الله عليه وآله أقام نظام التعايش بين مختلف الأفكار والأنظار حتى ذات البعد العقائدي.

وهذا الأمر نلاحظه في حركة أمير المؤمنين عليه السلام مع الخوارج فهم كانوا يرونه (والعياذ بالله) كافرا ومع هذا هو لم يبدأهم بحرب حتى حملوا السيف عليه ولم يتبع من فر منهم ولم يتعامل مع من أنكروا حقه معاملة الكفار فقد تعامل على ظاهر الإسلام مع كل من خذله وتركه.

المسلمون بين التناحر والتقاتل والمطالبة بالوحدة:
القرآن الذي نزل على نبي الرحمة يقول فيه الله تعالى ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[2]﴾ ويقول تعالى ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ[3]﴾ إلا أننا كأمة واحدة تزداد العداوة فيما بيننا كلما اختلفنا في الرؤى والأفكار حول محور ما ويصل بنا الحال إلى التناحر والتقاتل بل التفاخر به كذلك حتى صار المسلم يذبح المسلم مكبرا عليه كما تذبح الكبش، مع أن السيرة العطرة للنبي الأكرم وما نزل به القرآن الداعي للتعقل والحوار على خلاف السلوك الذي يجري على بعض من ينتسبون للإسلام.

الوحدة الإسلامية ضرورة بقاء ووجود وليست من قبيل هوامش اللقاءات أو ترف الكلمات فلا تأثير للأمة كل الأمة ما دامت في ظل التناحر إذ ذاك وضع التدهور وكثرة المآسي وتعمق المشاكل التي لا تنتهي ولن تنتهي ما دمنا على هذا الحال، فالنبي صلى الله عليه وآله كان يعمل على إيجاد حالة الأخوة مع مختلف الشرائح مع أنهم بالضرورة الواقعية كانوا مختلفين في طريقة تفكيرهم ومحتوى أفكارهم وبذلك حصل التأثير على بقية المجتمعات المحيطة واستطاع تغيير الأمة الجاهلة إلى أمة ناهضة، فلماذا يصر على البعض بالرجوع إلى زمن الجاهلية الجهلاء والعصبية العمياء ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ[4]﴾ (50)



[1] المنافقون 1-3
[2] النحل 125
[3] سبأ 24
[4] المائدة 50

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق