الجمعة، 1 نوفمبر 2019

كفالة عبد المطلب للنبي (ص)..الدرس المستفاد


﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى[1]    
اليتيم من الناحية الشرعية هو الفاقد لأبيه قبل أن يحتلم وإن كان في العرف يأخذ معنى أوسع من ذلك، ولكن اليتم الشرعي يترتب عليه أمور شرعية من أهمها نظام الولاية والكفالة المتعلقة باليتيم ففي الشريعة المقدسة أن فاقد الأب تكون الولاية عليه للجد من جهة الأب وفي الحقيقة ولاية الأب والجد على القاصر متساوية ثم بعدهما تنتقل إلى الموصى عليه من قبلهما ومع فقدهما تنتقل إلى الحاكم الشرعي وهو الفقيه وله أن يوكل وصيا عليه بل له رفع ولاية الأب أو الجد ومنعهما من التصرفات المالية لو ثبت أنهما يأكلون مال اليتيم بغير وجه حق ومع عدم الوصول للحاكم الشرعي تكون الولاية لعدول المؤمنين، ولا ولاية للأم أو الأعمام والأخوال أو غيرهم إلا أن يكونوا أوصياء من قبل الأب أو الجد أو من قبل الحاكم الشرعي.

كفالة عبد المطلب للرسول الأكرم:
لم يثن كون جد النبي صلى الله عليه وآله كبيرا وهو أب لعشرة أبناء سوى البنات عن رعاية حفيده منذ ولادته فقد كان رفيقا له ويوليه عناية فائقة فعن الإمام الصادق عليه السلام قال : كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لاحد غيره وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وهو طفل يدرج حتى جلس على فخذيه ، فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه ، فقال له عبد المطلب : دع ابني فإن الملك قد أتاه[2]"
و "عن ابن عباس، قال : « كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة ، لا جلس عليه أحد إلا هو إجلالاً له ، وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج عبد المطلب ، فكان رسول الله « صلى الله عليه وآله » يخرج وهو غلام فيمشي حتى يجلس على الفراش ، فيَعْظُم ذلك على أعمامه ويأخذونه ليؤخروه فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني فوالله إن له لشأناً عظيماً ، إني أرى أنه سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم ، إني أرى غرته غرة تسود الناس ، ثم يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبله ويقول : ما رأيت قبلة أطيب منه ولا أطهر قط ، ولا جسداً ألين منه ولا أطيب منه . ثم يلتفت إلى أبي طالب ، وذلك أن عبد الله وأبا طالب لأم واحدة ، فيقول : يا أبا طالب إن لهذا الغلام لشأناً عظيماً فاحفظه واستمسك به ، فإنه فرد وحيد ، وكن له كالأم ، لا يوصل إليه بشيء يكرهه ، ثم يحمله على عنقه فيطوف به أسبوعاً[3]"
وهذا الارتباط القوي جعل من النبي بأبي وأمي يبكي خلف جنازة جده وقد توفي وهو في الثمانين وكان عمر النبي ثمان سنوات على ما يروى وقد فقد امه آمنة قبل ذلك وهو في سن السادسة.
بعد هذا انتقلت الكفالة لأبي طالب فكان كالأب وكانت زوجته فاطمة بنت أسد كالأم ولذا كان يسميها أمه.
وهنا لنا وقفة مهمة فاليتيم بحاجة ماسة لمن يكفله وكلما كان الكافل أقرب لليتيم كانت الكفالة أولى له من غيره والجد بما أنه في مقام الأب تماما فهو لازم عليه شرعاً وهذا الدور قد قام به عبد المطلب بأحسن ما يقوم به كفيل، ولكننا قد نجد بعض الأجداد منهم بصحة لائقة يبتعدون عن حفدتهم اليتامى بسبب وآخر والصحيح أن يقوم الجد مقام الأب تماما بل أكثر من ذلك فحاجة اليتيم لوجود رجل قدوة في حياته مهم جدا، وهذا ما قد يغفله الكثير من الأسر فتكون تربية اليتيم على عاتق الأم لوحدها ويتخلى أقربائه من الرجال عنه ونحن نقرأ أن عبد المطلب قد أوصى لأبي طالب كفالته من بعده لما وجده أحن أعمامه عليه وقد كتن أبو طالب ووالد النبي من أم واحدة.

ولذا أولى الإسلام باليتامى أيم اهتمام فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كن لليتيم كالأب الرحيم، واعلم أنّك تزرع كذلك تحصد"
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "أدّب اليتيم ممّا تؤدّب منه ولدك واضربه مما تضرب منه ولدك"
عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ قال: "يعني اليتامى إذا كان الرجل يلي الأيتام في حجره فليُخرج من ماله على قدر ما يحتاج إليه على قدر ما يخرج لكلّ إنسان منهم، فيخالطهم ويأكلون جميعاً. ولا يرزأنّ من أموالهم شيئاً إنّما هي النار في بطونهم نار"
روي أنّه لما أستشهد جعفر بن أبي طالب، أتى رسول الله أسماء فقال لها: "أخرجي لي ولد جعفر فأُخرجوا إليه فضمّهم وشمّهم"

ولذلك علينا أن نتوجه تماما لمثل هذه السيرة العطرة في كيفية التعامل مع الأيتام، فالمسألة ليست رعاية مالية فقط مع أهميتها ولكن النظام الاجتماعي الحالي صار فيه نوعا من الخلل فالأم قد تستفرد بالتربية على حساب وجود رجل في جانبهم وهذا ما يسبب خللا في تربية الأبناء فقد تضعف شخصية الولد مستقبلا من دون وجود الرجل الكافل في جنبه.
وبعبارة أوضح أن الأبناء يحتاجون إلى مرافقة الوالدين حتى يشتد أمرهم ويكونون قادرين على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم وفي حال موت أحد الأبوين لابد من معوض يقوم مقامه يسد النقص من هذا الجانب، ولذلك ليس من الصحيح أن يقول الأب الأرمل أو الأم الأرملة أننهما لم يتزوجا حتى يتفرغا لتربية أولادهم.. لأن هه التربية تربية منقوصة فالأم لا تعوض عن الأب والأب لا يعوض عن الأم مهما فعلا ويمكن مراجعة البحوث المتعلقة بالتربية والتركيب النفسي لكل من الرجل والمرأة، فأقل شيء هو المصاحبة فمصاحبة المرأة لابنتها في المحافل النسائية وبقائها في جنبها ينمي شخصيتها من هذا الجانب وهكذا الرجل عندما يصاحب الابن في المحافل الرجالية يقوي شخصية الابن من هذا الجانب.
نعم من المهم عندما يريد أرمل أو الأرملة الارتباط أن يبحثا ليس عن زوج فقط بل عن زوج وأب حنون أو زوجة وأم حنونة وهو ما يعقد صعوبة البحث ولكن ذلك ليس مستحيلا لأن مصير آخر مرتبط بهذا الزواج ولذا نجد فاطمة الزهراء عليها السلام بأن يتزوج أمير المؤمنين زوجة بعدها تكون رؤوفة بأولادها وذلك حفاظا على هذا البعد في الحياة الأسرية عندما يكون أحد عمودي الخيمة الأسرية مفقودا.
لأن من المهم عندما نتعامل مع اليتيم أن نتعامل بمنظور قوله تعالى ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ[4] .


[1] الضحى 6
[2] الكافي - الشيخ الكليني - ج 1 - ص 448
[3] جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) - الشيخ علي الكوراني العاملي - ج 1 - ص 113
[4] الضحى 9

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق