سلطة التكوين للرسول الكريم (صلى الله
عليه وآله)
لا يمكن لأحد من الناس أن يعرف حقيقة
النبي الأكرم (صلى الله
عليه وآله) بتمامها
إلا خالقه وأهل البيت (عليهم السلام) ولكن بعض ما يمكن أن نناله هو ما نجده مما ورد من آيات
أو روايات لأهل البيت، والبحث هنا هو مختص عن أحد مقاماته قبل البعثة والتي تتعلق بسلطنته
التكوينية على الكون والمعبر عنها بواسطة الفيض التكويني.
فللنبي عدة فيوضات قد منحها الله إليه فكان واسطة فيها
منها واسطة الفيض التكويني ومنها واسطة الفيض في الهداية ومنها واسطة الفيض
التشريعي، وهنا الكلام عن واسطة الفيض التكويني الذي هو محل جدل بين علماء
المسلمين بين منكر له وبين مؤمن، وقد وصل حد الخلاف أن يذهب البعض إلى شركية الاعتقاد
بالإيمان بهذا المقام، وفي هذا البحث المقتضب نريد أن نوضح الفكرة من دون أن نوسعه
للنقض الإبرام بشكل بصورته الجدلية وإنما رفع وهم الشركية عن من يؤمن بهذا المقام.
ذكرت روايات متعددة أن الله (عز وجل) أو ما خلق خلق نور
محمد (صلى الله
عليه وآله) وهذا
يستدعي استفسارا خاصاً إذ أنه ما معنى خلقه قبل خلق العالم ولا يوجد أي تكليف
لمخلوقين بعد؟
يمكن أن نأخذ تفسيرين في المقام:
التفسير الأول: مقتضى
أنه الخلق الأول فهو أقرب المخلوقين لله وهذا مما يعنى أنه مطلع على كل أسرار
المخلوقين بعده ولهذا نجد التعبير في الآية الكريمة ﴿فَكَانَ قَابَ
قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى[1]﴾
ففي تفسير القمي عن الإمام الصادق (عليه السلام) "أَوَّلُ مَنْ
سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ إِلَى بَلَى (مقام النبي بالقرب من الله عز وجل) مُحَمَّدٌ صلى
الله عليه وآله) وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَ كَانَ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ
لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ «تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ فَقَدْ وَطِئْتَ
مَوْطِئاً- لَمْ يَطَأْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ» وَ لَوْ لَا
أَنَّ رُوحَهُ وَ نَفْسَهُ- كَانَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ لَمَا قَدَرَ أَنْ
يَبْلُغَهُ، فَكَانَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿قابَ
قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾
أَيْ بَلْ أَدْنَى[2]"
وبالرغم من
الآية الكريمة تتحدث عن معراج النبي (صلى الله
عليه وآله) إلا أن الآية تكشف هذه
الرتبة التي هي محل النبي الأكرم (صلى الله عليه
وآله) من الله (عز وجل) وهذه الرتبة ليست رتبة جسمانية بل هي رتبة
نورانية وإن اختلف المفسرون في ان الإسراء والمعراج جسمانيا أم روحيا أو أن
الاسراء جسماني والمعراج روحاني ولكن المؤكد أن هذه
الرتبة هي رتبة روحية نورانية لما دل العقل والنقل على نفي جسمانية الله سبحانه
وتعالى ففي الاحتجاج عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ
الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ
عَبْدُ الْغَفَّارِ السمي [السُّلَمِيُ] أَبَا إِبْرَاهِيمَ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ
ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى- ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ
أَوْ أَدْنى. قَالَ: أَرَى هَاهُنَا خُرُوجاً مِنْ حُجُبٍ وَ تَدَلِّياً إِلَى
الْأَرْضِ وَ أَرَى مُحَمَّداً رَأَى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ وَ نُسِبَ إِلَى بَصَرِهِ
فَكَيْفَ هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ (ع): دَنا فَتَدَلَّى فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَنْ مَوْضِعٍ وَ
لَمْ يَتَدَلَّ بِبَدَنٍ. فَقَالَ عَبْدُ الْغَفَّارِ: أَصِفُهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ
نَفْسَهُ حَيْثُ قَالَ دَنا فَتَدَلَّى فَلَمْ يَتَدَلَّ عَنْ مَجْلِسِهِ إِلَّا
وَ قَدْ زَالَ عَنْهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَصِفْ بِذَلِكَ نَفْسَهُ. فَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ (ع)
إِنَّ هَذِهِ لُغَةٌ فِي قُرَيْشٍ إِذَا أَرَادَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ
قَدْ سَمِعْتُ يَقُولُ قَدْ تَدَلَّيْتُ وَ إِنَّمَا التَّدَلِّي الْفَهْمُ[3]"
التفسير الثاني: ما
تذكره الروايات من أنه واسطة الفيض والذي يتفق مع الرأي الفلسفي القال بأن هناك
وساطات متعددة في الخلق حتى وصل إلى أضعف رتبة في الخلق وهو الخلق المادي. فما المقصود من كون النبي الأكرم وأهل بيته واسطة الفيض
التكويني؟
الجواب:
يقصد بكونهم واسطة في الفيض أمران:
الأمر الأول: أن
الله سبحانه قد خلقهم قبل الخلق أنوارا ومن أنوارهم خلق بقية الخلق فيكونون بذلك
واسطة في إفاضة الوجود على بقية الخلق ويدل على ذلك مجموعة من الروايات منها:
عن ابن مسعود قال رسول الله: اعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَنِي وَ خَلَقَ عَلِيّاً مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ
قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ بِأَلْفَيْ عَامٍ إِذْ لَا تَقْدِيسَ وَ لَا
تَسْبِيحَ فَفَتَقَ نُورِي فَخَلَقَ مِنْهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنَا
وَ اللَّهِ أَجَلُّ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ فَتَقَ نُورَ عَلِيِّ بْنِ
أَبِي طَالِبٍ ع فَخَلَقَ مِنْهُ الْعَرْشَ وَ الْكُرْسِيَّ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي
طَالِبٍ أَفْضَلُ مِنَ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ وَ فَتَقَ نُورَ الْحَسَنِ
فَخَلَقَ مِنْهُ اللَّوْحَ وَ الْقَلَمَ وَ الْحَسَنُ أَفْضَلُ مِنَ اللَّوْحِ وَ
الْقَلَمِ وَ فَتَقَ نُورَ الْحُسَيْنِ فَخَلَقَ مِنْهُ الْجِنَانَ وَ الْحُورَ
الْعِينَ وَ الْحُسَيْنُ وَ اللَّهِ أَجَلُّ مِنَ الْجِنَانِ وَ الْحُورِ الْعِينِ
ثُمَّ أَظْلَمَتِ الْمَشَارِقُ وَ الْمَغَارِبُ فَشَكَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى
اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ تِلْكَ الظُّلْمَةَ فَتَكَلَّمَ اللَّهُ
جَلَّ جَلَالُهُ بِكَلِمَةٍ فَخَلَقَ مِنْهَا رُوحاً ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ
فَخَلَقَ مِنْ تِلْكَ الرُّوحِ نُوراً فَأَضَافَ النُّورَ إِلَى تِلْكَ الرُّوحِ
وَ أَقَامَهَا أَمَامَ الْعَرْشِ فَزَهَرَتِ الْمَشَارِقُ وَ الْمَغَارِبُ فَهِيَ
فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ وَ لِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزَّهْرَاءَ لِأَنَّ نُورَهَا
زَهَرَتْ بِهِ السَّمَاوَات[4]
الأمر الثاني: أن
الله تعالى جعل تدبير الخلق من خلال أرواحهم فبهم يفتح الله وبهم ينزل الغيث وهكذا
ففي الزيارة الجامعة "بِكُمْ يُبَيِّنُ اللَّهُ
الْكَذِبَ وَ بِكُمْ يُبَاعِدُ اللَّهُ الزَّمَانَ الْكَلِبَ وَ بِكُمْ فَتَحَ
اللَّهُ وَ بِكُمْ يَخْتِمُ اللَّهُ وَ بِكُمْ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ
بِكُمْ يُثْبِتُ وَ بِكُمْ يَفُكُّ الذُّلَّ مِنْ رِقَابِنَا وَ بِكُمْ يُدْرِكُ
اللَّهُ تِرَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَطْلُبُ- [تُطْلَبُ] وَ بِكُمْ تُنْبِتُ
الْأَرْضُ أَشْجَارَهَا وَ بِكُمْ تُخْرِجُ الْأَرْضُ [الْأَشْجَارُ] أَثْمَارَهَا
وَ بِكُمْ تُنْزِلُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَ رِزْقَهَا- وَ بِكُمْ يَكْشِفُ
اللَّهُ الْكَرْبَ وَ بِكُمْ يُنَزِّلُ اللَّهُ الْغَيْثَ وَ بِكُمْ تُسَبِّحُ
اللَّهَ الْأَرْضُ الَّتِي تَحْمِلُ أَبْدَانَكُمْ وَ تَسْتَقِلُّ جِبَالُهَا
عَلَى مَرَاسِيهَا إِرَادَةُ الرَّبِّ فِي
مَقَادِيرِ أُمُورِهِ تَهْبِطُ إِلَيْكُمْ وَ تَصْدُرُ مِنْ بُيُوتِكُم[5]"
وسواء قلنا بالمعنى الأول أو بالمعنى الثاني فإن العقل
لا يأبى ذلك وإنما يؤيده نعم تخصيص ذلك بأهل البيت يحتاج إلى الدليل الروائي.
ولا يلزم من ذلك القول بالشرك كما يفهم ذلك بعض الذين
جعل الله على قلوبهم غشاوة بل القول بالواسطة الفيضية أنهم لا يشاؤون إلا أن يشاء
الله إذ العقل يدرك أن الخلق المباشري من القوي المطلق للضعيف المطلق غير ممكن
موضوعا مثل محطة الكهرباء عالية الطاقة تريد أن تشغل بها جهاز صغيرا من دون أي
محول للطاقة فهذا ما سيسبب في حرق الجهاز، إذا هذا المحول ضرورة وجودية لما بعده
من الأجهزة الضعيفة. فنسبة الخلق لجميع الخلق له بالاستقلال وهكذا التدبير أما ما
ننسبه للرسول الأكرم وأهل بيته فهو بالواسطة لا بالاستقلال ولذا ورد عنهم
وبتبسيط أخر أن
الله سبحانه بنسب لنفسه إماتة الناس فيقول عز من قائل ﴿اللَّهُ
يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ ومع هذه النسبة لا تنافي إماتة
الناس بتوسط ملك الموت والملائكة الموكلون على ذلك فيقول سبحانه وتعالى ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ وَقَالَ سبحانه ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ وَقَالَ
تعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ وَ قَالَ الَّذِينَ
تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾
وكذلك نسب التدبير للملائكة في قوله تعالى ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ يقول الفخر الرازي في تفسيره
مفاتيح الغيب "أما قوله: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً فهو
إشارة إلى شرح حال قوتهم العاملة، و ذلك لأن كل حال من أحوال العالم السفلي مفوض
إلى تدبير واحد من الملائكة الذين هم عمار العالم العلوي و سكان بقاع السموات[6]"
إذا التدبير للملائكة هو واسطة وليس بالاستقلال فما دام
هو أمر ممكن فلم يكون ممتنعا عن رسول الله وهو أشرف منهم خلقا وأعلى مرتبة. نعم لا
يلزم الإيمان به الإيمان بهذه المرتبة له إذ لم تكن متعقلا لها ولكن لا يعني أن من
يؤمن بها يكون مشركا.
إذا ثبتت هذه المرتبة للرسول (صلى الله عليه وآله) فتكون
العصمة له بأعلى مراتبها ثابتة له من أول الولادة وحتى قبل البعثة، وتنزل روح
النبي (صلى الله عليه وآله) في النشأة الدنيا لا يرفع تلك المرتبة وشرفها وهو أشبه
بتنزل القرآن في عالم الدنيا إذ يقول تعالى ﴿وَ إِنَّهُ
في أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكيمٌ[7]﴾
ففي مرتبة القرآن العليا فهو علي ومحكم أما في مرتبته التنزيلية ففيه
المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد والعام والخاص وهكذا بقية
العوارض التنزيلية ومع هذا فإن الباطل لا يأتيه إبدا وهكذا نزول النبي (صلى الله عليه
وآله) من مرتبته العالية إلى
عالم التلبس بالبدن تعرض عليه عوارض البدن من المأكل والمشرب والمرض والصحة والنوم
والاستيقاظ وغير ذلك من عوارض البدن وحاجاته ولكن لا يعني أنه يعتريه الخطأ والزلل
أو الغفلة والنسيان وغير ذلك من نواقص البشر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق