الارتباط المقدس للنبي (ص)
بخديجة (ع).. القصة والدلالات
عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ
مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ حَدَّثَ أَبُو سَعِيدٍ
الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ: إِنَّ جَبْرَئِيلَ ع قَالَ لِي
لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي حِينَ رَجَعْتُ وَ قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ هَلْ لَكَ مِنْ
حَاجَةٍ قَالَ حَاجَتِي أَنْ تَقْرَأَ عَلَى خَدِيجَةَ مِنَ اللَّهِ وَ مِنِّي
السَّلَامَ وَ حَدَّثَنَا عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ لَقَّاهَا نَبِيُّ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ لَهَا الَّذِي قَالَ
جَبْرَئِيلُ فَقَالَتْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَ مِنْهُ السَّلَامُ وَ
إِلَيْهِ السَّلَامُ وَ عَلَى جَبْرَئِيلَ السَّلَام[1]
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ
النَّبِيِّ ص قَالَ: حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ
وَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَ آسِيَةُ بِنْتُ
مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ[2].
هذا بعض مما له دلالة على فضلها في
الروايات بحث صارت موضع العناية واللطف الإلهيين فخديجة مما لا ينكر فضلها على
جميع المسلمين فهي إحدى الدعائم الرئيسية في نصرة هذا الدين وتشيده.
يتصل نسب السيدة العظيمة خديجة بنت
خويلد عليها السلام بالرسول الكريم صلى الله عليه وآله في الجد الرابع قصي بن كلاب
عليهما السلام فهي "خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصيّ بن كلاب
بن مُرّة بن كعب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهر بن مالك بن النّضر بن كنانة وأُمّها
فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ بن [ هرِم بن ] رَواحَةَ بن حَجَر بن [ عَبْد بن ]
مِعِيص بن عامر بن لُؤيّ[3]"
وورد في كيفية اختيار النبي صلى الله
عليه وآله لخديجة عليها السلام زوجة له عدة روايات بعضها مما لا يمكن قبوله إذ
تحتوي الوضع الدس والكذب على استقامة السيدة خديجة ونزاهتها وعزتها وتخدش حيائها
فضلا عن الطعن في رسول الله صلى الله عليه وآله فما يروى أنها أسقت أباها أو عمها
الخمر حتى ثمل فتحتال بذلك على قبوله للنبي زوجا لها أمام الرجال من قريش وتوقعه
في حرج الرجوع في العقد، أو ما يروى من أنها اختلت بالنبي وأخذت بيده ووضعتها على
قلبها أو ما روي من كلمات وافعال أخرى لا يليق بمقامها الشريف ولا بنزاهة النبي
صلى الله عليه وآله كلها كذب محض ووضع فاضح، ومثل هذه الروايات يشم من واضعها ضعة
نفسه وشرفه لكي يعطي المقبولية له في الأمة وتزعمه بالطعن في نزاهة النبي وأهل
بيته ولا يستبعد كذلك أنه من دسائس اليهود الذي لا ينزهون الأنبياء عن فعل الفواحش
فيحاولون التقليل من شأنية الرسول في الأمة فقاموا بوضع مثل هذه الروايات على النبي وزوجه.
روايات في زواج الطاهر
بالطاهرة:
من هذا المنطلق نذكر بعض الروايات التي
يمكن أن تكون لها مقبولية وتناسب عظمة السيدة أم فاطمة الزهراء عليهما السلام:
قال ابن شهر آشوب "وزوج أبو طالب
خديجة من النبي صلى الله عليه وآله وذلك أن نساء قريش اجتمعن في المسجد في عيد
فإذا هن بيهودي يقول: ليوشك ان يبعث فيكن نبي فأيكن استطاعت أن تكون له أرضا يطأها
فلتفعل ، فحصبنه وقر ذلك القول في قلب
خديجة وكان النبي صلى الله عليه وآله قد استأجرته خديجة على أن تعطيه بكرين ويسير
مع غلامها ميسرة إلى الشام فلما أقبلا في سفرها نزل النبي تحت شجرة فرآه راهب يقال
له نسطور فاستقبله وقبل يديه ورجليه وقال : اشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن
محمدا رسول الله لما رأى منه علامات وانه نزل تحت الشجرة ، ثم قال لميسرة : طاوعه
في أوامره ونواهيه فإنه نبي والله ما جلس هذا المجلس بعد عيسى أحد غيره ولقد بشر
به عيسى ( ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد وهو يملك الأرض بأسرها ) وقال
ميسرة : يا محمد لقد جزنا عقبات بليلة كنا نجوزها بأيام كثيرة وربحنا في هذه
السفرة ما لم تربح من أربعين سنة ببركتك يا محمد فاستقبل بخديجة وأبشرها بربحنا ،
وكانت وقتئذ جالسة على منظرة لها فرأت راكبا على يمينه ملك مصلت سيفه وفوقه سحابة
معلق عليها قنديل من زبرجدة وحوله قبة من ياقوتة حمراء فظنت ملكا يأتي بخطبتها
وقالت اللهم إلي والى داري ، فلما أتى كان محمدا وبشرها بالأرباح فقالت : وأين
ميسرة ؟ قال :يقفو أثري ، قالت : فارجع إليه وكن معه ، ومقصودها
لتستيقن حال السحابة فكانت السحابة تمر معه فأقبل ميسرة إلى خديجة وأخبرها بحاله
وقال لها : اني كنت آكل معه حتى نشبع ويبقى الطعام بحاله كما هو وكنت أرى وقت
الهاجرة ملكين يظللانه
فدعت خديجة بطبق عليه رطب ودعت رجالا
ورسول الله صلى الله عليه وآله فأكلوا حتى شبعوا ولم ينقص شيئا فأعتقت ميسرة
وأولاده وأعطته عشرة آلاف درهم لتلك البشارة ورتبت الخطبة من عمرو بن أسد عمها .قال
النسوي في تاريخه : أنكحه إياها أبوها خويلد بن أسد[4]
وفي الكافي "عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّه ص أَنْ
يَتَزَوَّجَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ أَقْبَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي أَهْلِ
بَيْتِه ومَعَه نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ
عَمِّ خَدِيجَةَ فَابْتَدَأَ أَبُو طَالِبٍ بِالْكَلَامِ فَقَالَ الْحَمْدُ
لِرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ زَرْعِ إِبْرَاهِيمَ وذُرِّيَّةِ
إِسْمَاعِيلَ وأَنْزَلَنَا حَرَماً آمِناً وجَعَلَنَا الْحُكَّامَ عَلَى النَّاسِ
وبَارَكَ لَنَا فِي بَلَدِنَا الَّذِي نَحْنُ فِيه ثُمَّ إِنَّ ابْنَ أَخِي هَذَا
يَعْنِي رَسُولَ اللَّه ص مِمَّنْ لَا يُوزَنُ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا
رَجَحَ بِه ولَا يُقَاسُ بِه رَجُلٌ إِلَّا عَظُمَ عَنْه ولَا عِدْلَ لَه فِي
الْخَلْقِ وإِنْ كَانَ مُقِلاًّ فِي الْمَالِ فَإِنَّ الْمَالَ رِفْدٌ جَارٍ
وظِلٌّ زَائِلٌ ولَه فِي خَدِيجَةَ رَغْبَةٌ ولَهَا فِيه رَغْبَةٌ وقَدْ جِئْنَاكَ
لِنَخْطُبَهَا إِلَيْكَ بِرِضَاهَا وأَمْرِهَا والْمَهْرُ عَلَيَّ فِي مَالِيَ
الَّذِي سَأَلْتُمُوه عَاجِلُه وآجِلُه ولَه ورَبِّ هَذَا الْبَيْتِ حَظٍّ عَظِيمٌ
ودِينٌ شَائِعٌ ورَأْيٌ كَامِلٌ ثُمَّ سَكَتَ أَبُو طَالِبٍ وتَكَلَّمَ عَمُّهَا
وتَلَجْلَجَ وقَصَّرَ عَنْ جَوَابِ أَبِي طَالِبٍ وأَدْرَكَه الْقُطْعُ والْبُهْرُ
وكَانَ رَجُلاً مِنَ الْقِسِّيسِينَ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ مُبْتَدِئَةً يَا عَمَّاه
إِنَّكَ وإِنْ كُنْتَ أَوْلَى بِنَفْسِي مِنِّي فِي الشُّهُودِ فَلَسْتَ أَوْلَى بِي
مِنْ نَفْسِي قَدْ زَوَّجْتُكَ يَا مُحَمَّدُ نَفْسِي والْمَهْرُ عَلَيَّ فِي
مَالِي فَأْمُرْ عَمَّكَ فَلْيَنْحَرْ نَاقَةً فَلْيُولِمْ بِهَا وادْخُلْ عَلَى
أَهْلِكَ قَالَ أَبُو طَالِبٍ اشْهَدُوا عَلَيْهَا بِقَبُولِهَا مُحَمَّداً
وضَمَانِهَا الْمَهْرَ فِي مَالِهَا فَقَالَ بَعْضُ قُرَيْشٍ يَا عَجَبَاه
الْمَهْرُ عَلَى النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ فَغَضِبَ أَبُو طَالِبٍ غَضَباً شَدِيداً
وقَامَ عَلَى قَدَمَيْه وكَانَ مِمَّنْ يَهَابُه الرِّجَالُ ويُكْرَه غَضَبُه
فَقَالَ إِذَا كَانُوا مِثْلَ ابْنِ أَخِي هَذَا طُلِبَتِ الرِّجَالُ بِأَغْلَى
الأَثْمَانِ وأَعْظَمِ الْمَهْرِ وإِذَا كَانُوا أَمْثَالَكُمْ لَمْ يُزَوَّجُوا
إِلَّا بِالْمَهْرِ الْغَالِي ونَحَرَ أَبُو طَالِبٍ نَاقَةً ودَخَلَ رَسُولُ
اللَّه ص بِأَهْلِه[5]"
وفي كتاب بحار الأنوار نقلا عن كتاب الخرائج و الجرائح رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ
قَالَ: كَانَ سَبَبُ تَزْوِيجِ خَدِيجَةَ مُحَمَّداً أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ
يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكَ وَ لَا مَالَ لِي أُسَاعِدُكَ بِهِ
وَ إِنَّ خَدِيجَةَ قَرَابَتُنَا وَ تُخْرِجُ كُلَّ سَنَةٍ قُرَيْشاً فِي مَالِهَا
مَعَ غِلْمَانِهَا يَتَّجِرُ لَهَا وَ يَأْخُذُ وِقْرَ بَعِيرٍ مِمَّا أَتَى بِهِ
فَهَلْ لَكَ أَنْ تَخْرُجَ قَالَ نَعَمْ فَخَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَيْهَا وَ
قَالَ لَهَا ذَلِكَ فَفَرِحَتْ وَ قَالَتْ لِغُلَامِهَا مَيْسَرَةَ أَنْتَ وَ
هَذَا الْمَالُ كُلُّهُ بِحُكْمِ مُحَمَّدٍ ص فَلَمَّا رَجَعَ مَيْسَرَةُ حَدَّثَ
أَنَّهُ مَا مَرَّ بِشَجَرَةٍ وَ لَا مَدَرَةٍ إِلَّا قَالَتْ السَّلَامُ عَلَيْكَ
يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ جَاءَ بَحِيرَا الرَّاهِبُ وَ خَدَمَنَا لَمَّا
رَأَى الْغَمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ تَسِيرُ حَيْثُمَا سَارَ تُظِلُّهُ
بِالنَّهَارِ وَ رَبِحَا فِي ذَلِكَ السَّفَرِ رِبْحاً كَثِيراً فَلَمَّا
انْصَرَفَا قَالَ مَيْسَرَةُ لَوْ تَقَدَّمْتَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى مَكَّةَ وَ
بَشَّرْتَ خَدِيجَةَ بِمَا قَدْ رَبِحْنَا لَكَانَ أَنْفَعَ لَكَ فَتَقَدَّمَ
مُحَمَّدٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَكَانَتْ خَدِيجَةُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ جَالِسَةً
عَلَى غُرْفَةٍ مَعَ نِسْوَةٍ فَظَهَرَ لَهَا مُحَمَّدٌ رَاكِباً فَنَظَرَتْ
خَدِيجَةُ إِلَى غَمَامَةٍ عَالِيَةٍ عَلَى رَأْسِهِ تَسِيرُ بِسَيْرِهِ وَ رَأَتْ
مَلَكَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ سَيْفٌ
مَسْلُولٌ يَجِيئَانِ فِي الْهَوَاءِ مَعَهُ فَقَالَتْ إِنَّ لِهَذَا الرَّاكِبِ
لَشَأْناً عَظِيماً لَيْتَهُ جَاءَ إِلَى دَارِي فَإِذَا هُوَ مُحَمَّدٌ ص قَاصِدٌ
لِدَارِهَا فَنَزَلَتْ حَافِيَةً إِلَى بَابِ الدَّارِ وَ كَانَتْ إِذَا أَرَادَتِ
التَّحَوُّلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ حَوَّلَتِ الْجَوَارِي السَّرِيرَ
الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا دَنَتْ مِنْهُ قَالَتْ يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ
وَ أَحْضِرْنِي عَمَّكَ أَبَا طَالِبٍ السَّاعَةَ وَ قَدْ بَعَثَتْ إِلَى
عَمِّهَا[6]
أَنْ زَوِّجْنِي مِنْ مُحَمَّدٍ إِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ فَلَمَّا حَضَرَ أَبُو
طَالِبٍ قَالَتْ اخْرُجَا إِلَى عَمِّي لِيُزَوِّجَنِي مِنْ مُحَمَّدٍ فَقَدْ
قُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَدَخَلَا عَلَى عَمِّهَا وَ خَطَبَ أَبُو طَالِبٍ
الْخُطْبَةَ الْمَعْرُوفَةَ وَ عَقَدَ النِّكَاحَ فَلَمَّا قَامَ مُحَمَّدٌ ص
لِيَذْهَبَ مَعَ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ خَدِيجَةُ إِلَى بَيْتِكَ فَبَيْتِي
بَيْتُكَ وَ أَنَا جَارِيَتُكَ[7]
علاقة الحب بين السيد خديجة والنبي
علاقة الحب بينهما كانت في غاية التفاني بحيث أن خديجة عليها السلام بذلت كل
ما أمكنها أن تبذله في سبيل رضا الله ورضا نبيها الذي هو زوجها والنبي بقى على
حبها حتى آخر عمره الشريف فقد كان يكرم أصدقاء خديجة بعد وفاتها ويذكرها بين الحين
والآخر حتى أنه صلى الله عليه وآله يغضب لأجلها عندما يساء إليها.
نعم بحسب ظاهر الروايات أن خديجة قد وقع في قلبها حب النبي صلى الله عليه وآله
وقد سعت للظفر به كزوج لها، ولكن هذا الحب يحتاج إلى نوع من التحليل حتى لا يقع
المتصيدون في كل زمان في فخ الحب العبثي الذي نراه كثيرا في زماننا ويروج له
الإعلام عبر الأفلام والمسلسلات وقد وضعوا يوما له احتفاء بالاسم وهو خاليا عن
حقيقته.
بين حب السيدة خديجة وشغف زليخا
توجد في غريزة الإنسان للرجل أو المرأة الميل الطبيعي للجنس الآخر وهذا الميل
هو ميل حيواني بحت بمعنى تشترك كل الحيوانات في أصل هذه الغريزة للحفاظ على بقاء
النوع وقد تكون عند بعض الحيوانات بشكل أرقى إذ تشكل مجاميع اجتماعية تدخل فيها
نظام الحماية والتربية، ولكنها عند الإنسان بشكل أرقى إذ ينظم ذلك في إطار الأسرة
بكيان يجعل فيه واجبات تبادلية بين الزوجين بما يدخل العقل في تنظيم هذه الغريزة.
السيدة خديجة عليها السلام تعلق قلبها بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وزليخا
أيضا تعلقت بنبي وهو النبي يوسف عليه السلام، ولكن هناك فارق بين التعلقين فزليخا
نظرت للنبي يوسف كنظرة غرائزية بحته، فقد أسرها جمال النبي يوسف عليه السلام بحيث
كانت متيمة لذلك الشكل وكانت غايتها القصوى هو قضاء الوطر ليس إلا وقد بذلت قصارى
جهدها في ذلك وقد عبر القرآن عن تعلقها بقوله تعالى ﴿وَقَالَ
نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ
ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ () فَلَمَّا
سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً
وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ
فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ
لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ () قَالَتْ
فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ
فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا
مِّنَ الصَّاغِرِينَ[8]﴾
فمن الآيات الكريمة التي ذكرت هذا
الحوار يتضح منشأ هذا التعلق، فهو تعلق غرائزي بحت لأدنى مراتب الحيوانية والتي
يكون العقل غائب تماما عن ضبط تلك الغريزة الهائجة وقد بقت على هذا الأمر مصرة
عليه دون أي واعز يمكن أن يقف في طريقها حتى وصلت إلى درجة إيذاء الطرف الآخر من
أجل تلك الغريزة.
وهنا ما ينبغي الالتفات إليه فإن شبكات
الدعارة العالمية تقوم على الترويج لهذا النوع من العلاقة وتجتهد لنشر ذلك بشتى
الوسائل فتجعل من الانسان أحط الحيوانات. وبالمناسبة فإنهم يعبرون عن الممارسة
الجنسية الحيوانية بممارسة الحب وهنا علينا أن نعرف ما هو الهدف الحقيقي من جعل
يوما للحب المعبر عنه ب(الفلنتاين Valentin) او عيد الحب بعد أن كان هذا اليوم مناسبة
دينية مسيحية بحتة لقتلى قسيسين يحملون نفس الاسم فحول بعد ذلك لعيد (رومنسي) وهم
بذلك يخلقون كذبة موهومة لهذا النوع من التعلق الغاية منه تجاري ويحمل في طياته
نشر العلاقات المحرمة، وقد يغتش البعض به فيسبح في ضلالهم من غير أن يعلم.
أما تعلق خديجة بالنبي عليه
السلام فليس فيه أي شبهة من ذلك الميل الغرائزي بل له عدة جهات:
الأول: كان
تعلقاها به ميلا روحيا وعقليا بالدرجة الأولى فبعض الروايات ذكرت أن منشأ ذلك الحب
هو علمها المسبق بمكانة النبي مستقبلا ففي الرواية التي نقلها ابن شهر آشوب "
أن نساء قريش اجتمعن في المسجد في عيد فإذا هن بيهودي يقول: ليوشك ان يبعث فيكن
نبي فأيكن استطاعت أن تكون له أرضا يطأها فلتفعل، فحَصَبْنَه (رمينه بالحصاة) وقرّ ذلك القول في قلب خديجة "
وهذا النوع من الحب يدخل في دائرة
العقلاء بلغة التمني بمعنى أن كل من الرجل أو المرأة عند تذكر الصفات الحميدة
للطرف الآخر التي يجد من نفسه الميل لها في شريك المستقبل يميل بطبعه لذلك الشخص فيتمنى
أن يحضا ويظفر به.
الثاني: أنها
وضعت شخص النبي ضمن إطار الاختبار الحقيقي بالنسبة لها مع اشتهاره بالصادق الأمين،
فخديجة ليست امرأة عادية فهي ذات تجارة عريضة مما يجعلها موضع طمع الرجال بلحاظ
شأنها المالي ومكانتها الاجتماعية، وقد أرجعت خديجة رجال قريش عندما تقدموا
لخطبتها لأنها لا ترى أن الاقتران بالرجل يقوم على أساس المصلحة ذات القيمة
المادية والوجاهة الاجتماعية، إذ أن ذلك لا يشكل حبا حقيقيا قائما على الارتباط
الروحي بين الزوجين بل قائم على الإطار النفعي لأحد الطرفين مما يعنى أن فقدان تلك
الخصوصية المادية ستسقط العلاقة الزوجية قيمتها الحقيقية، ولهذا رأت في النبي صلى
الله عليه وآله تلك الصفات التي يفقدها كل رجالات قريش وأحبت الاقتران به لعلمها
أن ذلك الارتباط يقوم على أساس قيمة الفرد الداخلية التي لا يمكن أن تسقط مهما
تغيرت الظروف المحيط بالزوجين. وهذه قيمة يجب أن ينظر لها كل من المرأة الرجل على
حد سواء حين الاختيار خصوصا عندما تكون المرأة عاملة وموظفة أو الرجل غنيا ذا سعة
وجاه، وفي ذلك قصص اجتماعية متعددة انكشف فيها الغطاء بعد الزواج فكم من رجل استغل
مقدرات زوجته المالية بما لا يرضي الله وكان مطمعه مالها أكثر من شخصيتها وكم من
امرأة أغراها مال زوجها فأبعدها عن صوابية الاختيار. المال ليس عيبا ولكن النظر إليه
كخيار أساسي في الارتباط الزوجي هو المصيبة العظمى.
الثالث: الذي
ينظر إلى حياة السيد خديجة عليها السلام يعلم أن وراءها هدف أسمى من وجودها المادي
تريد أن تحققه في الحياة فحياة الترف واللهو والتفاخر وغير ذلك مما يسعى له أصحاب
الغنى والثروة كان متاحا لها ولكنها كانت تريد أن تحقق من وراء زواجها بالنبي أمرا
يدخل في تكاملها الإنساني والروحي، فالزواج عقد تكامل للإنسان في سماء القديسين
وليس عقد تفاخر ورغبات شهوانية وتوالد حيواني بحت كما هو عند الماديين.. على هذا
الأساس وجدت في النبي محمد صلى الله عليه وآله ضالتها فسعت في تحقيق ذلك وقد نالته
بجدارة واستحقاق.
الرابع: الجانب
الغيبي في اختيار الشراكة المقدسة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله والسيدة
خديجة عليه السلام هو من التقديرات الربانية لهما فكون فاطمة الزهراء نسل رسول
الله صلى الله عليهما وآليهما ستتولد منها يعنى ان ذلك الرحم لا بد أن يكون أطهر
وأنقى رحم في زمانه وتحديد ذلك يرجع إلى اختيار إلهي وإن جرت الظواهر الخارجية أن
ذلك بأسباب طبيعية.
بعد كل هذا علينا بالنظر لواقعنا في
اختيار شريك الحياة، فهل نحن نحمل بعض ما كانت خديجة تحمله في اختيار الزوج ولو
برتب أدنى، فكثير من علاقات الحب التي تنشأ بين شخصين قبل الزواج لا تستطيع أن
تحمل ذلك الاتجاه، فالوقوع في الحب المسبق في العادة يضيق من سعة التدقيق في شرائط
النجاح فكل من الرجل والمرأة قبل الزواج يحاول إرضاء الطرف المقابل بإظهار ما يحبه
وإن كان خلاف سلوكه العام ويخفي ما ينفر منه الطرف الآخر، وهكذا تنمو مشاعر حالمة
أكثر من كونها واقعية مبنية على أساس سليم، ولذا فإن الكثير من قصص الحب الحالم
تنصدم بصخرة العشرة الواقعية بعد الزواج.
الحب قبل الزواج الحالم يتعثر في أكثره
بالمخالفات الشرعية وإن كان بمراتب مختلفة فالريبة أو التلذذ وإن كان بالنظر أو
الكلام يعتبر محرما فكيف بالمراتب الأعلى منها.
وهناك حب خطير جدا وهو الحب الوهمي
الذي يكون أساسه الميل الغرائزي وهو الذي يحاول العالم المتفسخ بإيهام الناس بأنه
مطلب إنساني وطبيعي، وفي الحقيقة هو مطلب غرائزي حيواني بحت يفقد الرحمة والألفة
والمودة.
نعم قد يكون الحب صادقا عندما يسعى من
يجدا في نفسيهما الميل لبعضهما بالمسارعة في ضبط مشاعرهما الغرائزية ودراسة الواقع
الصحيح والسير في الزواج بالاستعانة بأهل الخبرة من عائلتيهما المقربين جدا كالأب
والأم، أما أن يطلقا العنان لنفسيهما بإبداء المشاعر وكلمات الغزل والغرام فإنهما
سيقعان في الدائرة المحظورة شرعا.
بمعنى آخر أن هناك حبا عاقلا وحبا حالما
وحبا وهميا، فعلى الشاب المؤمن أن يدرك في أيهم وقع إذ أن من النادر وقوع الحب
المدار عقلا، إذ الغالب بلحاظ تعدد الوسائل الإعلامية لأكثر من قرن الترويج لنوعين
من الحب هو الحالم والوهمي حتى أنه أسس لمفهوم جديد للحب بادعاء أن الحب لا يحكمه
العقل بل القلب وما يهوى يوكون خارج السيطرة والإرادة ويراد من ذلك رفع سيطرة
العقل وقوة التفكير من التركيز على ما يصلح الإنسان مستقبلا.
علينا أن ندرك تماما أن الحب الوهمي
التي وقعت فيه زليخا محرم بلا إشكال وأما الحب الحالم فهو محفوف بالمخاطر
والمحاذير الشرعية ومن الصعب تجريد النفس وتزكيتها في هذا المجال.
وعلى كل حال فالكلام عن الحب هو ما كان
قبل الزواج أما بعد الارتباط وانكشاف الواقع على ما هو عليه سواء كانت هناك علاقة
سابقة أم لا، وسواء طابق الحب هدفه الذي كان يحلم من أجله أم لا، إذ لا يعنى عند
عدم مطابقته للواقع الانفصال والتفكك الأسري بل أن هناك حبا ينشأ من العشرة وهو
الحب الحقيقي والأساسي الذي ينبغي المحافظة عليه وزيادة رصيده وله كلام طويل عريض
لا يسعه هذا المقال وربما نتكلم عنه عندما نستعرض العلاقة الزوجية بين الرسول
الأكرم والسيد خديجة عليهما وآلهما أفضل الصلاة والسلام.
[6]
( 5) في المصدر: عمها ورقة وربما لكونه كبيرا في السن واحترام السيدة خديجة
فينزل مقام عمها وإلا فإن المشهور أنه ابن عمها لأن اسمه ورقة بن نوفل بن اسد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق