السبت، 8 فبراير 2020

أمير المؤمنين.. ونكران الفضائل.. الدوافع والأسباب


أمير المؤمنين.. ونكران الفضائل.. الدوافع والأسباب
ذكر الغروي في موسوعته " قال الكليني في " أصول الكافي " : " بعد عام الفيل بثلاثين سنة ولد أمير المؤمنين ( عليه السلام ).
وقال الشريف الرضي في " خصائص الأئمة " : ولثلاث عشرة ليلة خلت من رجب ، بعد عام الفيل بثلاثين سنة ، ولد في البيت الحرام علي ( عليه السلام ).
وقال شيخه المفيد في " الارشاد " : في " يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب سنة ثلاثين من عام الفيل ، ولد - علي ( عليه السلام ) - بمكة في البيت الحرام - ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله تعالى - سواه ، اكراما من الله تعالى جل اسمه له، واجلالا لمحله في التعظيم[1]"

وردت روايات متعددة في ولادة أمير المؤمنين عليه السلام تحوي إعجازا في خط الوجود المقدس، وأنه محاطاً بالعناية الربانية في أول وجوداته لعالم الدنيا إلا أن هناك من يحاول إنكار هذا البعد الإعجازي في ولادته إنكارا لعظمة هذا الشخص الذي عناه الله ورسوله بعنايتهما أيما عناية.
فلنقرأ بعض هذه الروايات ثم لنحلل الإنكار في كرامته على نحو العموم أو خصوص الحدث.

أبو طالب يبشر فاطمة بنت أسد بولادته قبل 30 عاما:
عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال: كان حيث طلقت آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب فلم تزل معها حتى وضعت فقالت إحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى ؟ فقالت: وما ترين؟ قالت : هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب فبينما هما كذلك إذا دخل عليهما أبو طالب فقال لهما: ما لكما من أي شيء تعجبان؟ فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت فقال: لها أبو طالب: ألا أبشرك؟ فقالت: بلى ، فقال : أما إنك ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود[2].

روايات ولادته في الكعبة:
روى شيخ الطائفة الطوسي في أماليه بسنده عن أنس بن مالك، عن العباس بن عبد المطلب.
وبإسناده عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) ، عن آبائه ( عليهم السلام ) ، قال : كان العباس بن عبد المطلب ويزيد بن قعنب جالسين ما بين فريق بني هاشم إلى فريق عبد العزى بإزاء بيت الله الحرام، إذ أتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكانت حاملة بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) لتسعة أشهر، وكان يوم التمام ، قال : فوقفت بإزاء البيت الحرام، وقد أخذها الطلق، فرمت بطرفها نحو السماء، وقالت: أي رب، إني مؤمنة بك، وبما جاء به من عندك الرسول، وبكل نبي من أنبيائك، وبكل كتاب أنزلته، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل، وإنه بنى بيتك العتيق، فأسألك بحق هذا البيت ومن بناء، وبهذا المولود الذي في أحشائي الذي يكلمني ويؤنسني بحديثه، وأنا موقنة أنه إحدى آياتك ودلائلك لما يسرت علي ولادتي.
قال العباس بن عبد المطلب ويزيد بن قعنب: لما تكلمت فاطمة بنت أسد ودعت بهذا الدعاء، رأينا البيت قد انفتح من ظهره، ودخلت فاطمة فيه، وغابت عن أبصارنا، ثم عادت الفتحة والتزقت بأذن الله ( تعالى )، فرمنا أن نفتح الباب ليصل إليها بعض نسائنا، فلم ينفتح الباب، فعلمنا أن ذلك أمر من أمر الله ( تعالى )، وبقيت فاطمة في البيت ثلاثة أيام .
قال: وأهل مكة يتحدثون بذلك في أفواه السكك، وتتحدث المخدرات في خدورهن.
قال: فلما كان بعد ثلاثة أيام انفتح البيت من الموضع الذي كانت دخلت فيه، فخرجت فاطمة وعلي ( عليه السلام ) على يديها، ثم قالت: معاشر الناس، إن الله ( عز وجل ) اختارني من خلقه، وفضلني على المختارات ممن مضى قبلي، وقد اختار الله آسية بنت مزاحم فإنها عبدت الله سرا في موضع لا يحب أن يعبد الله فيه إلا اضطرارا، ومريم بنت عمران حيث اختارها الله ، ويسر عليها ولادة عيسى، فهزت الجذع اليابس من النخلة في فلاة من الأرض حتى تساقط عليها رطبا جنيا، وإن الله ( تعالى ) اختارني وفضلني عليهما، وعلى كل من مضى قبلي من نساء العالمين ، لأني ولدت في بيته العتيق، وبقيت فيه ثلاثة أيام آكل من ثمار الجنة وأوراقها، فلما أردت أن أخرج وولدي على يدي هتف بي هاتف وقال: يا فاطمة، سميه عليا، فأنا العلي الاعلى، وإني خلقته من قدرتي، وعز جلالي، وقسط عدلي ، واشتققت اسمه من اسمي..[3]"
وعن محمد بن سعيد الدارمي قال: حدثنا موسى بن جعفر ، عن أبيه ، عن محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين قال : كنت جالسا مع أبي ونحن زائرون قبر جدنا - صلى الله عليه وآله - وهناك نسوان كثيرة إذ أقبلت امرأة منهن فقلت لها : من أنت - رحمك الله - ؟
قالت : أنا زيدة بنت قريبة بن العجلان بن بنى ساعدة ، فقلت لها : فهل عندك شيء تحدثينا ؟ فقالت : أي والله ، حدثتني أمي أم عمارة بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان الساعدي ، أنها كانت ذات يوم في نساء من العرب إذ اقبل أبو طالب كئيبا حزينا ، فقلت له : ما شأنك يا أبا طالب ؟ ! فقال : ان فاطمة بنت أسد في شدة المخاض . ثم وضع يديه على وجهه فبينا هو كذلك ، إذ اقبل محمد صلى الله عليه وآله فقال له: ما شأنك يا عم ؟ ! فقال : ان فاطمة بنت أسد تشتكي المخاض . فأخذ بيده وجاء وهي معه وقمنا معه ، فجاء بها إلى الكعبة ، فأجلسها في الكعبة ، ثم قال : اجلسي على اسم الله قال : فطلقت طلقة ، فولدت غلاما مسرورا نظيفا منظفا لم أر كحسن وجهه، فسماه أبو طالب " عليا " وحمله النبي - صلى الله عليه وآله - حتى أداه إلى منزلها.
قال علي بن الحسين - عليهما السلام - : " فوالله ما سمعت بشيء قط الا وهذا أحسن منه[4]"

قال ابن شهرآشوب "اجمع أهل البيت انه عليه السلام ولد في زاوية البيت الأيمن من ناحية الباب، فالولد الطاهر من النسل الطاهر، ولد في الموضع الطاهر، فأين توجد هذه الكرامة لغيره؟ فأشرق البقاع الحرم، وأشرف الحرم المسجد ، وأشرف بقاع المسجد الكعبة، ولم يولد مولود فيه سواه، فالمولود فيه يكون في غاية الشرف فليس المولود في سيد الأيام، في الشهر الحرام، في البيت الحرام ، سوى أمير المؤمنين عليه السلام[5]"

ولادته في الكعبة عند أهل السنة:
ذكر الكثير من علماء السنة والشيعة هذه المنقبة والفضيلة لأمير المؤمنين عليهم السلام منهم الحاكم النيسابوري إذ يقول " ( أخبرنا ) أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا مصعب بن عبد الله فذكر نسب حكيم بن حزام وزاد فيه وأمه فاختة بنت زهير بن أسد بن عبد العزى وكانت ولدت حكيما في الكعبة وهي حامل فضربها المخاض وهي في جوف الكعبة فولدت فيها فحملت في نطع وغسل ما كان تحتها من الثياب عند حوض زمزم ولم يولد قبله ولا بعده في الكعبة أحد * قال الحاكم وهم مصعب في الحرف الأخير فقد تواترت الاخبار ان فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة[6]"
فهنا الحاكم النيسابوري في معرض الرد على إنكار ولادة أمير المؤمنين في الكعبة فيعد كلامه من هذه الجهة أقوى إثباتا من أي رواية قد تكون مستطردة أو مسندة باعتباره خبيرا بالأخبار والروايات، وذكره أن الحادثة متواترة تدلل على قوة وسلامة الروايات.
ونقل الشيخ الأميني في غديره عن شهاب الدين السيد محمود الآلوسي صاحب التفسير الكبير في (شرح الخريدة الغيبية في شرح القصيدة العينية) لعبد الباقي أفندي العمري ص 15 عند قول الناظم :
أنت العلي الذي فوق العلى رفعا *** ببطن مكة عند البيت إذ وضعا
: وكون الأمير كرم الله وجهه ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا وذكر في كتب الفريقين السنة والشيعة - إلى أن قال - : ولم يشتهر وضع غيره كرم الله وجهه كما اشتهر وضعه بل لم تتفق الكلمة عليه، وما أحرى بإمام الأئمة أن يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين ؟ وسبحان من يضع الأشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين[7]"
البعض تتبع كل منقبة لأمير المؤمنين وإنكارها حتى مع اشتهارها وفي نفس الوقت يثبت لغيره مناقب مع ضعف سندها وندرة القائل بها وهو ما ينم عن مرض في النفس تجاه هذه الشخصية العظيمة التي لا يمكن لغيم الصيف حجب وجوده ونوره. هؤلاء يرومون من ذلك أنه كلما أنكروا منقبة فإنهم يقللون من شأنه وعظمته علّهم يوصلوا غيره باللحاق به وبعظمته وشأنه، ولكن مهما حاولوا فإن البون شاسع جدا فانظر للصحابة كيف يصفون مناقبه فقد روي عن عبد الله بن عباس: سمعت عمر وعنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر: أما علي فسمعت رسول الله " ص " يقول فيه ثلاث خصال، لوددت أن تكون لي واحدة منهن، وكانت أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحابه: إذ ضرب " ص " على منكب علي رضي الله عنه فقال له: يا علي أنت أول المؤمنين إيمانا، وأول المسلمين إسلاما، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى[8].
و عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال امر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال ما منعك ان تسب أبا التراب فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول له خلفه في بعض مغازيه فقال له علي (عليه السلام): يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان. فقال له رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يحب اللهَ ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولُه، قال فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي عليا فأُتيَ به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي[9]"
وقال عنه الترمذي "هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه[10]"
وعن ابن عمر "أوتى ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من حُمُرِ النِعَم، زوجه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ابنته وولدت له وسد الأبواب إلا بابه في المسجد وأعطاه الراية يوم خيبر[11]"
وحمر النعم هي الإبل الحمراء والتي تعتبر عند العرب من انفس أموالهم ويضربون بهذا المثل لبيان نفاسة الشيء وأنه لا يوجد هناك أعظم منه.

قال الحاكم النيسابوري في مستدركه "( سمعت ) القاضي أبا الحسن علي بن الحسن الجراحي وأبا الحسين محمد بن المظفر الحافظ يقولان سمعنا ابا حامد محمد بن هارون الحضرمي يقول سمعت محمد بن منصور الطوسي يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه[12]"

إنكار البعض لفضائله ومنها الولادة في الكعبة فما سبب ذلك؟
البعد السياسي للنكران:
أنكار بعض معاصري الإمام عليه السلام قد يأخذ بعداً سياسيا في الدرجة الأولى إذ أن إثبات كل منقبة له يعني تفوقه على كل معاصريه قربا من الله ورسوله وقوة وشجاعة في الحرب والسلم وحكمة وعلما في الدين والدنيا وتقوى وزهدا في العبادة والطاعة وحلما وتسامحا في المعاملة والمقابلة.. فمن تكون هذه خصائصه يكون أولى من غيره في الحكم والسياسة حتى ولو لم تأتي آيات وروايات في حقه المسلوب وهنا يمكن أن نقف على ثلاثة أساليب للنكران:

منع التدوين: يعتبر حرمان الأمة من التدوين وتناقل الحديث بشكل عام وتغييب مقولات الرسول في حقه بشكل خاص يشكل البعد المهم في نكران حقه وفضله، فالتباعد الزمني لمشافهة الرسول ولحدوث المواقف من دون تدوينها يسهم في نسيانها أو تحريفها ويكون كل من استجد اسلامه غير عالم بها ويمكن تكذيب ما يسمع من هنا وهناك، ومن التدوين أساسه من هذه الجهة إلى إبعاد أصحاب الحق الأصليين في السلطة الدينية والدنيوية.

وضع الأحاديث: هناك أسلوبا آخر جاء بعد منع التدوين وهو الوضع عليه زورا وبهتانا لتشويه صورته أمام الأمة حتى تتخاذل في اللحاق به فمثلا ما روي في صحيحي البخاري ومسلم " ان المسور بن مخرمة قال إن عليا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يزعم قومك انك لا تغضب لبناتك وهذا على ناكح بنت أبي جهل فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد يقول اما بعد فإنى أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وان فاطمة بضعة منى وانى اكره ان يسوءها والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد فترك على الخطبة[13]"
ومنها ادعاء أنه والعياذ بالله ونتبرأ من هذا القول أنه شرب الخمر فقد روى الترمذي عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال : " صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر ، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة ، فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون ، فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ". هذا حديث حسن غريب صحيح[14]"
هذا النوع يكون قابلا لأن يخدع به من أسلم حديثا بعد عام الفتح أو بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من الذين لم يعرفوا أو يتعرفوا على أمير المؤمنين عليه السلام فكانت الطامة الكبرى أن صدق ذلك السفهاء والمغفلون وشجع عليه الحاقدون والمنافقون.
ويمكن النظر بتأمل في ما نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج "وقد روى أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروى أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد )، وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم ، وهي قوله تعالى : ( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله )، فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل، وروى ذلك.
قال : وقد صح أن بنى أمية منعوا من إظهار فضائل علي عليه السلام ، وعاقبوا [ على ] ذلك الراوي له ، حتى إن الرجل إذا روى عنه حديثا لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه ، فيقول : عن أبي زينب .
وروى عطاء ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، قال : وددت أن أترك فأحدث بفضائل علي بن أبي طالب عليه السلام يوما إلى الليل ، وأن عنقي هذه ضربت بالسيف[15]"
السب والبراءة: لقد أعقب هذا النكران ومحاولة الوضع والتشهير أسلوب أكثر حقارة مما سبق حيث اعتبر السب والبراءة من أبي تراب أمرا إداريا تلزم الدولة به جميع خطباء المنابر المعينين من قبلها فلم تخلو خطبة جمعة من ذكره وسبه بل تعدى ذلك بالدعاء عليه في أعقاب الصلوات  وقد استمر ذلك طوال حكم بني أمية إلا في فترة قصيرة عندما وصل الحكم إلى عمر بن عبد العزيز وهذا الأمر مشهور بما لا ينكر.
كل هذه الأساليب لم تستطع أن تحجب تلك الفضائل والمناقب بل وصلت لنا بطرق متعددة بحيث تؤكد قوة ومتانة النقل إذ كيف بعد كل هذه الهجمة الشرسة لما يفوق القرن تبقى وتخرج من بين ثنايا الجبال وتنزل علينا كهطول المطر الغزير على الأرض القاحلة فتنعشها وتنميها.

الدوافع العقائدية:
انقسمت أمة الإسلام إلى فرق متعددة ذات بعد عقائدي وفقهي وأصبح لكل فرقة مدارسها وأئمتها بعضها لا يزال باقيا ووجودها حاضرا وبعضها انتهت أو اضمحلت وتقلصت في افراد قلائل.
لقد عمد البعض إلى إنكار فضائل أمير المؤمنين بشكل خاص وفضائل أهل البيت بشكل عام وذلك لأن إثبات هذه الفضائل يترتب عليه ثبات الحجة لأحقية أمير المؤمنين عليه السلام في الخلافة بكل جدارة واستحقاق ويكفي للاطلاع على مقدار ذلك الإنكار مراجعة الجزء الثالث من كتاب الغدير للشيخ الأكبر الأميني عليه الرحمة إذ لم يتركوا حديثا وإن كان صحيحا بطرقهم إلا وطعنوا فيه. وأما إذا سلموا به أنقصوا من شأنه
فمثلا قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ بعضهم أنكر نزولها في علي يوم المبيت في الفراش مع وجود الروايات المتعددة من الفريقين وقال بنزولها في صهيب بن سنان الرومي أو غيره من الصحابة سوى علي عليه السلام وهناك من أثبتها إلا أنه جعلها أقل شأنا من الصحبة والمرافقة في الغار.. وهكذا عندما يضعف حديث الغدير من جهة الدلالة على الخلافة وتكون الصلاة جماعة إماما دليلا على الاستخلاف فعند مراجعة ذلك لا تجد الإنصاف العلمي في مثل هذه القضايا بل تعرف جديدا أن البعد العقائدي والمذهبي هو الدافع نحو هذا الإنكار.
وفي مولد أمير المؤمنين في بطن الكعبة لا تتعجب من الإنكار لهذه الفضيلة مع اشتهارها وتسالمها عند المحققين والمؤرخين فقد ذكر صاحب الغدير 16 مصدرا من أهل السنة و50 مصدرا من الشيعة[16] وهذا النوع من الإنكار لا يزال حتى هذا اليوم بعد وضوح الصورة كاملة.


[1] موسوعة التاريخ الإسلامي - الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي - ج 1 - ص 305 - 306
[2] الكافي - الشيخ الكليني - ج 8 - ص 302
[3] الأمالي - الشيخ الطوسي - ص 706 - 709
[4] عمدة عيون صحاح الاخبار في مناقب إمام الأبرار - ابن البطريق - ص 27 - 28
[5] حلية الأبرار - السيد هاشم البحراني - ج 2 - ص 26
[6] المستدرك - الحاكم النيسابوري - ج 3 - ص 483
[7] الغدير - الشيخ الأميني - ج 6 - ص 22
[8] الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج 1 - هامش ص 162 و شرح النهج لابن أبي الحديد ج 3 ص 258
[9] صحيح مسلم - مسلم النيسابوري - ج 7 - ص 120 - 121
[10] سنن الترمذي - الترمذي - ج 5 - ص 302
[11] مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل - ج 2 - ص 26
[12] المستدرك - الحاكم النيسابوري - ج 3 - ص 107 - 108
[13] صحيح البخاري - البخاري - ج 4 - ص 212 - 213
[14] سنن الترمذي - الترمذي - ج 4 - ص 305
[15] شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج 4 - ص 73
[16] الغدير – الشيخ عبد الحسين الأميني – ج6 ص23-27

هناك تعليق واحد:

  1. موفقين شيخنا العزيز عبى هالجهود الكبيرة في خدمة الدين.

    ردحذف