هل الجيش الذي قاتل الإمام الحسين
كانوا من الشيعة؟
بين حين وآخر يتهم البعض أن الشيعة دعوا الإمام
الحسين عليه السلام لمبايعته ومن ثم انقلبوا عليه يقاتلونه، وهؤلاء من السذاجة
بمكان لا ينظرون لوقائع التاريخ ومجريات الأحداث فيه بل هم يصدقون ما يتوهمونه من
رأي من دون نظر أو تتبع.
وفي هذا المجال أتمنى على القارئ الكريم التأمل
في وقائع التاريخ وما جرى للكوفة من أول تأسيسها وما جرى عليها من تغيرات على
المستوى الديمغرافي المتعاقب حتى خروج الحسين عليه السلام من المدينة رافضا بيعة
يزيد بن معاوية.
في
مدرسة أهل البيت عليهم السلام لا أحد يشكك في أن من قاتل الحسين عليه السلام هم من
حزب آل أبي سفيان وقد دلت النصوص على ذلك ففي هذه الرواية تدل على أن من قاتل
الحسين عليه السلام بكربلاء هم أهل الشام فالشيخ الكليني عليه الرحمة في الكافي
يروي بسنده "عن عبد الملك قال:
سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم تاسوعا
وعاشورا من شهر المحرم فقال: تاسوعا يوم حوصر فيه الحسين (عليه السلام) وأصحابه
رضي الله عنهم بكربلاء واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه وفرح ابن مرجانة
وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها واستضعفوا فيه الحسين صلوات الله عليه وأصحابه
رضي الله عنهم وأيقنوا أن لا يأتي الحسين (عليه السلام) ناصر ولا يمده أهل العراق
- بابي المستضعف الغريب - ثم قال: وأما يوم عاشورا فيوم أصيب فيه الحسين (عليه
السلام) صريعا بين أصحابه وأصحابه صرعى حوله [عراة] أفصوم يكون في ذلك اليوم؟! كلا
ورب البيت الحرام ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء
وأهل الأرض وجميع المؤمنين ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام غضب
الله عليهم وعلى ذرياتهم وذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام، فمن
صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوط عليه ومن ادخر إلى منزله
ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقا في قلبه إلى يوم يلقاه وانتزع البركة عنه وعن أهل
بيته وولده وشاركه الشيطان في جميع ذلك[1]"
فهذا النص الروائي يدلل على أن المقاتلين الذين
شكلهم ابن زياد وعمر بن سعد هم شاميون، فهل المراد بهم شاميون الهوى أم شاميون
الانتماء والسكنى؟
وعلى كلا الأمرين فهم ليسوا من الشيعة بالنتيجة،
ويؤيد ما ذكرته الرواية من التشكيل العقائدي لجيش عمر بن سعد أن هواه شامي أو
انتماءه كذلك ما ذكر تاريخيا من أن معاوية بن أبي سفيان بعد صلح الحسن عليه السلام
وهو المسمى بعام الجماعة قام بتفريغ الشيعة الموالية لأمير المؤمنين عليه السلام
من الكوفة وإحلال من يتولاه محلهم سواء كان من الجزيرة أم من الشام أم البصرة فقد
أورد الطبري في تاريخه:
"فلم تزل سجاح في بنى تغلب حتى نقلهم
معاوية عام الجماعة في زمانه وكان معاوية حين أجمع عليه أهل العراق بعد علي عليه
السلام يخرج من الكوفة المستغرب في أمر على وينزل داره المستغرب في أمر نفسه من
أهل الشأم وأهل البصرة وأهل الجزيرة وهم الذين يقال لهم النواقل في الأمصار فأخرج
من الكوفة قعقاع بن عمرو بن مالك إلى إيلياء بفلسطين فطلب إليه أن ينزل منازل بنى
أبيه بنى عقفان وينقلهم إلى بنى تميم فنقلهم من الجزيرة إلى الكوفة وأنزلهم منازل
القعقاع وبنى أبيه وجاءت معهم وحسن إسلامها[2]"
إذا هذا التهجير هو تهجير جماعي وليس تهجيرا
فرديا إذ من المعلوم أن بعض القبائل في الكوفة كانت موالية لعلي عليه السلام وهي
التي قاتلت معه في حروبه الثلاث، فلك أن تتصور مقدار ذلك التهجير الذي كان
بالآلاف.
فإذا هذا جانب من التغيير الديمغرافي للكوفة ونجد
نصوصا تاريخية اتبع فيها معاوية استئصال شيعة المولين لأمير المؤمنين بالقتل بأعداد
هائلة فالطبري في تاريخه يروي بسنده "عن محمد بن سليم قال سألت أنس بن سيرين
هل كان سمرة قتل أحدا قال وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب استخلفه زياد على البصرة
وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له هل تخاف أن تكون قد قتلت
أحدا بريئا قال لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت أو كما قال[3]"
هؤلاء الناس هم المعارضون للحكم الأموي من
البصرة وحدها ثمانية آلاف كل هذا مع أن البصرة بعمومها معروفة على أنها عثمانية
الهوى والعقيدة والقليل فيهم من يتبع عليا عليه السلام أو يهواه ومع هذا فقد بلغ
قتلاهم الثمانية آلاف فكيف لك أن تتصور عدد من قتل من أهل الكوفة من أتباع أمير
المؤمنين عليه السلام من بعد سنة الأربعين حتى سنة الستين.
وفي فتوح البلدان للبلاذري قال: "ثم ولى
زياد بن أبي سفيان الربيع بن زياد الحارثي سنة إحدى وخمسين خراسان، وحول معه من
أهل المصرين زهاء خمسين ألفا بعيالاتهم. وكان فيهم بريدة بن الحصيب الأسلمي أبو
عبد الله، وبمرو توفى في أيام يزيد بن معاوية[4]"
فلو تصورنا كحد أقل أن مع كل فرد زوجة وولدين
فإن المهجرين سيكونون زهاء المئتين ألف وهو رقم هائل جدا.
هنا يمكنك أن تسأل من هؤلاء الخمسون ألفا هل هم
أمويون موالون لهم أم من المعارضين ومن هواهم نهج علي عليه السلام؟
الثاني هو الصحيح وذلك لعدة أسباب أذكر منها اثنين:
الأول: أن معاوية للتو قد أجرى صلحا مع الإمام
الحسن عليه السلام فمن صالحه إفراغ العراقين وهما الكوفة والبصرة من الموالين
للإمام الحسن عليه السلام حتى يأمن جانبهم من أي قيام على ملكه وليس في صالحه أن
يضعف العراقين بتهجير الموالين له في العراق، بل على العكس الذي يناسبه هو إحلال
الموالين له مكان المهجرين.
الثاني: ذكر بريدة الأسلمي وهو من الصحابة
الموالين لأمير المؤمنين عليه السلام المقربين له وهو أحد رواة حديث الغدير وأحد
الذين قاتلوا في صف أمير المؤمنين في حروبه خصوصا في صفين ولم يغدر بالإمام الحسن
عليه السلام
هذا النقل التاريخي يتوافق مع تقريب الصورة مما
نقل في كتاب سليم بن قيس وهو نقل يشيب له الرأس إذ يقول:
"اشتداد البلاء على الشيعة في عهد معاوية:
ثم اشتد البلاء بالأمصار كلها على شيعة علي وأهل بيته عليهم السلام، وكان أشد
الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة. واستعمل عليهم زيادا أخاه وضم إليه
البصرة والكوفة وجميع العراقين. وكان يتتبع الشيعة وهو بهم عالم لأنه كان منهم فقد
عرفهم وسمع كلامهم أول شيء. فقتلهم تحت كل كوكب وحجر ومدر، وأجلاهم وأخافهم وقطع
الأيدي والأرجل منهم وصلبهم على جذوع النخل وسمل أعينهم وطردهم وشردهم حتى انتزعوا
عن العراق. فلم يبق بالعراقين أحد مشهور إلا مقتول أو مصلوب أو طريد أو هارب.
وكتب معاوية إلى قضاته وولاته في جميع الأرضين
والأمصار: (أن لا تجيزوا لأحد من شيعة علي بن أبي طالب ولا من أهل بيته ولا من أهل
ولايته الذين يرون فضله ويتحدثون بمناقبه شهادة)[5]"
فأمثال عمرو بن حمق الخزاعي وحجر بن عدي
وأصحابه وغيرهم ما هي إلا شواهد عينية اشتهرت وخلفها الآلاف من الضحايا والمشردين.
فإذا جئنا إلى ما فعله عبيد الله بن زياد في
الكوفة بعد تسلمه ولايتها في فترة مسلم بن عقيل سيتضح الأمر أن الذين بقوا في
الكوفة من موالي أمير المؤمنين هم القلة وليسوا هم الكثرة حتى وإن كان العدد
بثمانية عشر ألف أو يزيدون فإن هؤلاء في المجمل أتباع رؤسائهم فإذا سقط الرئيس
فيهم نكصوا على أعقابهم، نعم لا يخلوا هؤلاء من الخلص وإن قلّوا ولكن الكثير منهم
قد سجن أو قتل قبل وصول الحسين عليهم السلام واستطاع نزر قليل منهم الالتحاق بالحسين
عليه السلام كحبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وكأربعة التحقوا لما حاصر الحر بن يزيد
الرياح الحسين عليه والسلام ومنعه من الوصول للكوفة وآخرون.
إذن من الواضح جدا أن الجيش الذي أخرجه عبيد
الله بن زياد ليس فيهم شيعيا مواليا لعلي وولده عليهم السلام، بل أن الحاقدين على
علي وولده كثر في اهل الكوفة يكتفي الجيش بهم فلا يحتاج إلى المتعاطفين وفيهم من
المتعطشين لدماء آل البيت والفتك بهم ما يملئ الخافقين، ولهذا نجد التعبير الذي
نقله ابن طاووس على لسان أبي عبد الله الحسين عليه السلام لهم بـ (شيعة آل أبي
سفيان) إذ ينقل في اللهوف:
"ولم يزل عليه السلام يقاتلهم حتى حالوا
بينه وبين رحله فصاح عليه السلام ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين
وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم
عربا كما تزعمون[6]"
كل هذا الكلام يبقى السؤال في التعبير التاريخي
بكتب أهل الكوفة للحسين عليه السلام وكذلك تقريع الإمام زين العابدين عليه السلام
وتقريع زينب وأم كلثوم وفاطمة الصغرى في خطبهم بعد واقعة كربلاء بـ "يا أهل
الكوفة" فلم عبروا بهذا التعبير مع أن الكثير ممن شارك في قتل أبي عبد الله
الحسين عليه السلام هم من أصول غير عراقية؟
للجواب على هذا السؤال وبكل بساطة علينا أن
نعلم أن الكوفة ليست مدينة أصيلة لأهلها إلا الفرد النادر بل هي مجمع قبائل مختلفة
من أماكن متعددة في أصل تكونها وتشكلها من عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب سنة 17
للهجرة على يد سعد بن أبي وقاص وذلك لكي تكون منطلقا للجيوش الإسلامية، فهي مدينة
عسكرية توزعت فيها القبائل المحاربة ذات الشكيمة والبأس، وكل من سكنها من هذا
التاريخ أو ما بعدها ينسب للكوفة مع أن أصولهم ليست من الكوفة، وهذا الأمر يجري في
من سكن الكوفة في عهد معاوية واستوطنها فصح مخاطبتهم بأهل الكوفة كذلك.
وعلينا أن نعرف أن القبائل وإن كانت لها ولاءات
للحاكم إلا أن هذه الولاءات قابلة للتبدل بحسب تبدل رأي رأس القبيلة وهذا ما يمكنه
أن يجده المتتبع في صفحات التاريخ كيف ينقسم الجيش ويتشرذم بأعداد هائلة بمجرد
تبدل رأس القبيلة فالولاء عند العرب ومواليهم حتى بعد الإسلام استمر لرأس القبيلة
أقوى من ولائهم للحاكم والخليفة.
ولذا نجد أن بعض من كاتب الإمام الحسين عليه
السلام كان أمويا وإنما مكاتبته كانت بحسابات سياسية ضيقة ذات مصالح شخصية وما أن
دخل عبيد الله الكوفة حتى انقلبوا على أعقابهم فتبعتهم أقوامهم أمثال شبث بن ربعي،
وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رويم، وعروة بن القيس، وعمرو بن الحجاج الزبيدي
الذين كانوا من قادة جيش عمر بن سعد وتاريخ هؤلاء معروف مشهور.
مالك محمد علي درويش
15 محرم 1447ه
11 / 7 / 2025م
[1] الكافي،
الشيخ الكليني، ج ٤ - الصفحة ١٤٧
[2] تاريخ
الطبري - الطبري - ج ٢ - الصفحة ٥٠٠
[3] تاريخ
الطبري - الطبري - ج ٤ - الصفحة ١٧٦
[4] فتوح
البلدان، ج ٣، أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )، ص 409
[5] كتاب
سليم بن قيس - تحقيق محمد باقر الأنصاري - الصفحة 316-٣١٧
[6] اللهوف
في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس - الصفحة ٧١
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق