الجمعة، 29 نوفمبر 2019

أبو طالب مع النبي في صغره.. المواقف والدلالات



المقدمة:
البعض يتعامل مع أبي طالب وغيره من الشخصيات بحكم سابق قبل قراءة حقيقة هذه الشخصية بما أفرزه التاريخ من مواقف متعدة.
فتارة البعد العقائدي يكون حاكما على الشخصية كما يرى الشيعة أن آباء الأنبياء والأئمة موحدون ومطهرون من كل دنس وفي الطرف الآخر يرون عدم مانعية الكفر من ثبوت الأبوة. وهذا البحث سيعطي نتيجة مسبقة في إيمان أو كفر أبي طالب، أضف إلى ذلك عندما ينظرون إلى عدم عصمة شخصيات الأئمة أصلا وأنهم كآحاد غيرهم من المسلمين مما يلغي أي ميزة لآبائهم على آباء غيرهم.

فعلى هذا فيكون ميزان الاحتجاج الثاني هو دراسة الشخصية من جهة النقولات التاريخية، وفي هذه الجهة أيضا تواجهنا مشكلة المصادر المعتمدة في النقولات التي تعطي الصورة الواقعية للشخصية الواقعة تحت الدراسة.
 فهنا ما يكون مختصا بمصدر معتبر عند فئة دون الفئة الأخرى إلا من باب الإلزام فيمكن الاحتجاج به عند إذ ولكن ما يكون مشتركا في النقل يمكن الوقوف عليه ابتغاء التحليل لمعرفة حقيقة ما تستبطنه الشخصية من جهة ما تكتنفه إيمان أو ضده.
فهنا نريد أن نقف على المواقف بصورة متأملة لكي نعرف ماذا يعني أبو طالب في حياة النبي صلى الله عليه وآله وفي حياة الإسلام، وهل من الناحية القراءة التاريخية لمسيرته أو النصوص الواردة فيه نخرج بنتيجة مفادها الإيمان الحقيقي لقلب شغل الدين كل وجدانه أو بشخصية تعمل بوازع العصبية أو الخلق العربي في حماية الجار أو غير ذلك.

الملاصقة الشديدة:  
استسقاء عبد المطلب بالنبي بحضور ابي طالب:
خروج أبي طالب مع ابيه عبد المطلب في حادثة الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وآله  ذكرها الشهرستاني في الملل والنحل "ومما يدل على معرفته (يقصد عبد المطلب) بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم ذلك الجذب العظيم وأمسك السحاب عنهم سنتين أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم فأحضره وهو رضيع في قماط فوضعه في يديه واستقبل الكعبة ورماه إلى السماء وقال يا رب بحق هذا الغلام ورماه ثانيا وثالثا وكان يقول بحق هذا الغلام أسقنا غيثا مغيثا دائما هطلا فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد..
وأنشد أبو طالب ذلك الشعر اللامي منه
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه****** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطوف به الهلاك من آل هاشم ****** فهم عنده في نعمة وفواصل
كذبتم ورب البيت نبزى محمدا ********* ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ***********ونذهل عن أبنائنا والحلائل[1]

فإذا كان جد النبي عبد المطلب عارفا بشرف النبوة فقد كان ذلك الشرف حاضرا وملوسا عند أبي طالب فأبياته التي وردت في حق النبي (ص) في روايات مختلفة دالة على ذلك العلم الغزير بشأن النبي في نفس أبي طالب

استسقاء أبي طالب بالنبي:
روى ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال : قدمت مكة وقريش في قحط ، فقائل منهم يقول : اعتمدوا واللات والعزى . وقائل منهم يقول : اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي : أنى تؤفكون وفيكم بقية إبراهيم وسلالة إسماعيل . قالوا : كأنك عنيت أبا طالب ؟ قال : إيها . فقاموا بأجمعهم وقمت معهم فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه عليه إزار قد اتشح به فثاروا إليه فقالوا : يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال فهلم فاستسق لنا فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة تجلت عليه سحابة قتماء وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بأصبعه الغلام وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا أغدق واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي . وفي ذلك يقول أبو طالب :
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ****** فهم عنده في نعمة وفواضل[2]
هذا النقل التاريخي يدلل على أن أبا طالب على معرفة تامة بهذا الغلام ومدى ارتباطه بعالم الغيب وهذه المعرفة هي السبب وراء اهتمامه الشديد به ورعايته فائقة النظير وحمايته المحكمة له وليس الأمر بلحاظ العصبية والقربى فقط.
وصية عبد المطلب بكفالة أبي طالب للنبي:
 روى الشيخ الصدوق بسنده عن ابن عباس أن عبد المطلب حين حانته الوفاة " بعث إلى أبي طالب ومحمد على صدره وهو في غمرات الموت وهو يبكى ويلتفت إلى أبي طالب ويقول : يا أبا طالب انظر أن تكون حافظا لهذا الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه ولا ذاق شفقة أمه ، انظر يا أبا طالب أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك فإني قد تركت بني كلهم وأوصيتك به لأنك من أم أبيه ، يا أبا طالب إن أدركت أيامه فاعلم أني كنت من أبصر الناس وأعلم الناس به ، فإن استطعت أن تتبعه فافعل وانصره بلسانك ويدك ومالك فإنه والله سيسودكم ويملك ما لم يملك أحد من بني آبائي ، يا أبا طالب ما أعلم أحدا من آبائك مات عنه أبوه على حال أبيه ولا أمه على حال أمه فاحفظه لوحدته ، هل قبلت وصيتي فيه ؟ فقال : نعم قد قبلت ، والله علي بذلك شهيد ، فقال عبد المطلب : فمد يدك إلي ، فمد يده إليه ، فضرب يده على يده ثم قال عبد المطلب : الان خفف علي الموت ، ثم لم يزل يقبله ، ويقول : أشهد أني لم أقبل أحدا من ولدي أطيب ريحا منك ولا أحس وجها منك ، ويتمنى أن يكون قد بقي حتى يدرك زمانه ، فمات عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين ، فضمه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه ساعة من ليل ولا نهار وكان ينام معه حتى لا يأتمن عليه أحدا[3]"
هذه الرواية وإن كانت في كتب الشيعة إلا أن المؤرخين والمحدثين يتفقون على أن أبا طالب كان الوصي من قبل عبد المطلب على رسول الله وهذا نتيجة ثقة عبد المطلب بابنه أبي طالب أنه هو أفضل من يرعاه من أولاده وأنه أرفق به من غيره وقد صدق ظنه به إذ صار لا يفارقه في حله وترحاله ولذا علينا أن نتأمل في ما روي من الفريقين عن رحلة الشام الأولى لرسول الله مع أبي طالب.

رحلة الشام الأولى للنبي مع أبي طالب:
"روى ابن سعد وابن عساكر عن داود بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ابن اثنتي عشرة سنة . قال البلاذري : وهو الثبت .
عبد الله بن محمد بن عقيل وابن سعد عن عبد الرحمن بن أبزى، والبزار والترمذي وحسنه عن أبي موسى الأشعري، وابن سعد عن داود بن الحصين وأبو نعيم عن محمد بن عمر الأسلمي ، والبيهقي عن محمد بن إسحاق قالوا : إن أبا طالب أراد المسير في ركب إلى الشام
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي عم إلى من تخلفني هاهنا ؟ وصب به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق له أبو طالب فلما سارا أردفه خلفه فخرج به فنزلوا على صاحب دير فقال صاحب الدير : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني . قال : ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي . قال : ولم ؟ قال : لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي . قال : وما النبي ؟ قال : الذي يوحى إليه من السماء فينبئ أهل الأرض. قال الله أجل مما تقول . قال فاتق عليه اليهود .
ثم خرج حتى نزل براهب أيضا صاحب دير فقال : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي . قال : ولم ؟ قال : لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي . قال : سبحان الله ! أجل مما تقول. وقال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم : يا بن أخي ألا تسمع ما يقولون ؟ قال : أي عم لا تنكر لله قدرة .
خبر بحيرا فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له قال ابن إسحاق: وكان أعلم أهل النصرانية . فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يعرض لهم ، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا قريبا من صومعته فرأى وهو في صومعته رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استظل تحتها ، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذا سيد العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين . فقال له أشياخ من قريش : وما علمك ؟ قال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يمر بشجر ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدان إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة . ثم رجع وأمر بطعام كثير فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وإني أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم . فقال رجل : يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك؟ فقال بحيرا : صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه . فاجتمعوا إليه ، فلما أتاهم به وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم راح مع من يرعى الإبل . وفي رواية: فتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم، فلما نظر بحيرا لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا مشعر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا قالوا: ما تخلف عنك أحد يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالنا.
فقال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام . فقام الحارث بن عبد المطلب فأتى به، فلما أقبل وعليه غمامة تظله فقالوا : انظروا إليه عليه غمامة تظله . فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه ، فقال : انظروا ما فيء الشجرة عليه هذا نبي هذه الأمة الذي يرسله الله إلى الناس كافة .
وفي ( الزهر ) نقلا عن محمد بن عمر الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فارق تلك الشجرة التي كان جالسا تحتها وقام انفلقت من أصلها حين فارقها وجعل يلحظه لحظا شديدا ينظر إلى أشياء من بدنه قد كان يجدها عنده في صفته وقال لقومه : هذه الحمرة التي في عينيه تأتي وتذهب أو لا تفارقه ؟ قالوا : ما رأيناها فارقته قط . فأقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا غلام أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه . وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسألني باللات والعزى فوالله ما أبغضت وبغضهما شيئا . فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك . فقال : سلني عما بدالك . فجعل يسأله عن أشياء من حال نومه ويقظته وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته عنده فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني . فقال بحيرا: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون له أب حي . قال : فإنه ابن أخي . قال : فما فعل أبوه ؟ قال : مات وأمه حامل به . قال: صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلدك واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لَيُبْغَنَّه شرا فإنه كائن لابن أخيك شأن . فأسرع به إلى بلاده ولا ذهب به إلى الروم فإن الروم رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه. والتفت عنه بحيرا فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال : ما جاء بكم ؟
قالوا : جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال : أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده ؟
قالوا: لا فبايعوه وأقاموا معه. فأتى قريشا فقال : أنشدكم بالله أيكم وليه قالوا: أبو طالب . فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وأرسل معه رجلا وزودهم الراهب من الكعك والزيت.
وقال: أبو طالب في هذه السفر قصائد منها ما ذكره ابن إسحاق وأبو هفان في ديوان شعر أبي طالب:
إن ابن آمنة الأمين محمدا * عندي بمثل منازل الأولاد
لما تعلق بالزمام رحمته * والعيس قد قلصن بالأزواد
فارفض من عيني دمع ذارف * مثل الجمان مفرق الأفراد
راعيت منه قرابة موصولة * وحفظت فيه وصية الأجداد
وأمرته بالسير بين عمومة ** بيض الوجوه مصالت أنجاد
ساروا لأبعد طية معلومة** فلقد تباعد طية المرتاد
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لا قوا على شرك من المرصاد
حبرا فأخبرهم حديثا صادقا * عنه ورد معاشر الحساد [4]"
إذا كان أبو طالب يصف إخبار بحيرا الراهب بالحديث الصادق والنبي لا يزال غلاما هل يمكن القول بعد ذلك أن أبا طالب كان جاهلا بنبوة ابن أخيه أو كان قلبه خاليا من الإيمان به.
المدقق في أحوال أبي طالب مع النبي في صغره لا يمكن إلا أن يصل إلا إلى نتيجة واحدة وهي أن أبا طالب على يقين بنبوة النبي واتصاله بالسماء منذ نعومة أظفار النبي صلى الله عليه وآله، ولذا كل ما يقال في أبي طالب من اتهامات  لا تخلو من الوضع والتزييف وذلك لآنها تتعارض مع كل ما يذكر من أحوال لأبي طالب مع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.


[1] الملل والنحل - الشهرستاني - ج 2 - ص 240
[2] سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي - ج 2 - ص 137
[3] كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق - ص 172
[4] سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي - ج 2 - ص 140 - 142

الثلاثاء، 19 نوفمبر 2019

الاختلاف في شخصية النبي الأكرم ورسالته لا تنافي الوحدة بين المسلمين


لماذا تتعدد رؤيتنا للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله؟
نبي الأمة واحد وهو خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الأمي التهامي المكي ولادة ونشأة والمدني هجرة وهو خير الخلق أجمعين، فهل هناك من يشك في ذلك؟

القراءات المختلفة في الرسول الأكرم (ص) ورسالته:
اختلفت الأنظار في شخص النبي من جهة البعد الروحي كما اختلفت في شريعته من جهة تمام حقيقتها وتمام غايتها؟
هذا الاختلاف ليس وليدا لعصر متأخر عن النبي الأكرم بل هو ابتدأ من بداية دعوته للإسلام واستمر حتى هذا اليوم. بل ربما يقال أن هذه النظرة قد تسبق ولادته حتى عندما ينظر فيها إلى حقيقة النبوة.
فالصحابة الذين عايشوا النبي الأكرم لم يكونوا على نفس النظرة لشخصية الرسول، فهناك من يرى العصمة بشكلها المطلق في الرسول الأكرم وهناك من يراه قابلا للنقاش بل للمسائلة والاعتراض وهناك من قال أنه معصوم في التبليغ وهو كأحدهم في غير التبليغ.
وهكذا النظر إلى الرسالة كان ينظر لها بأنها رسالة أيمان في إيجاد العلاقة بين الفرد وربه وهناك من ينظر إليها أنها أكبر من ذلك في تشمل دستور حياة متكامل في تمام التشريعات على الأرض وفي هذا الإطار أيضا من يرى الخلافة امتداد للرسالة في شقها السياسي وهناك من يرى الخلافة امتداد إلهي يشمل تمام ما يرتبط بالدين والدنيا.
تعمقت هذه التصورات على المستوى النظري والعلمي ولكن المأساة ما تبعته من آثار خلافية في المجتمع الإسلامي أدت للتشاحن والتباغض بل وللقتل والقتال فيما بينهم.

فكلنا يعلم بالخلافات التي جرت في حياته بينه وبين قومه الذيم آمنوا بهم بعد فتح مكة وكانوا طلقاء له هؤلاء لهم فهم خاص بالنبي والنبوة وكذا كلنا يعلم ما جرى بين الصحابة في عهد النبوة حول الرسول صلى الله عليه وآله، وكلنا يعلم بما جرى حين انتقاله إلى الرفيق الأعلى وما جرى في داره من خلاف شديد وما بعد ذلك من حوادث في عهد الخلفاء

هل هناك فرق بين الرؤيتين لشخصية النبي ورسالته بين من عاصره وبين الأجيال اللاحقة إلى هذا اليوم.
بالتأكيد هناك فرق كبير فمن عاصره كان يعيش اللحظة بعد اللحظة في نزول الرسالة وكان يرى النبي في تفاصيل حياته بما لم تراه الأجيال اللاحقة ولذا كانت مساحة الغلط عمدا أو سهوا أو الاشتباه في النقل تكون محدودة لإمكان تكذيبها ونفيها على لسان النبي أو المقربون منه كأهل بيته إلا أن المشكلة الكبرى في زمن النبي وهو أول زمان النهوض بالأمة كان الأعم الأغلب من المسلمين الأوائل ليسوا على مستوى الوعي النبوي نعم هناك يوجد صفوة مقربة من النبي يمتازون بذلك الوعى إذا استثنينا أهل البيت عليهم السلام فهناك مثل سلمان والمقدار وأبو ذر وغيرهم، ولكن الأكثر كما نقرأ في التاريخ كانوا أميون لا يقرؤن ولا يكتبون وليس لهم دراية علمية، وبلا إشكال فإن  بعض الأفكار الجاهلية كسلوك أمتزج بحياتهم وطريقة تفكيرهم ونظرتهم للحياة والناس والكثير من معاملاتهم لا يعني أنها اختفت بمجرد اسلامهم بل بقي شيء منها وهو ليس بالقليل في طريقة التعاطي مع الكثير من الأمور كل هذا أثر سلبا في التعاطي مع الرسول ونظرتهم للرسالة، وهذا واضح جدا لما تواتر في النقل من خلاف تحت سقف السقيفة في تعيين الخليفة من بعد الرسول مع تواتر الروايات في نصيتها لعلي وأهليته لها مما يدلل أن القبلية تغلبت على قيم الحضارة الناشئة على لسان النبي وبمراجعة بسيطة في أسباب تنحية الإمام علي عليه السلام وما جرى من خلافات في زمن الخلافة حتى تحولها إلى ملك عضوض نعلم أن النظرة للرسالة كانت متباينة وفي خطوط متقاطعة وبعضها متوازية لا تقبل اللقاء.
أما في الزمان المتأخر حيث أن العلم أخذ طريقه في أجيال لاحقة كانت تعاني من كثرة الموروث واختلاف المصادر وتضاربها مع بعضها البعض مما سبب تشويشا في النظرة للرسول والرسالة، جزءا منه كان موروث نظرة الآباء الأوائل أنفسهم وبعضها كان دخيلا من خارج الإطار الإسلامي كبعض الأفكار التي تنظر للنبي كحالة نبوغ خاص أو للرسالة كأداة للبناء الفرد على المستوى الروحي بلا علاقة مجتمعية أو معاملاتية أو غير ذلك من أبعاد في بناء حضارة إسلامية شاملة ذات بعد إلهي محض.

تعامل النبي الأكرم مع مختلف الآراء في شخصه ورسالته:
لا يستطيع أحد أن يدعي أن النبي لم يكن يعلم بأنظار الآخرين من المسلمين وغيرهم في شخصه ورسالته وهو قد تعاطى مع الجميع وإن كان دوره إبراز شأن الرسالة وحقيقتها وما تهدف إليه من باب كونه بشيرا ونذيرا وهاديا ومرشدا إلا أنه لم يسبق شرطية توحيد الرؤية حوله وحول الرسالة لدخول الإسلام بل اكتفى بالشهادتين للانضمام في حوزة الإسلام ويكفي أن نطرح قضيتين فاصلتين الأولى تعاطيه مع المنافقين بالمدينة وكان مطلعا عليهم بشخوصهم وكانوا يضمرون الكفر فكان رأس النفاق هو عبد الله بن أبي بن سلول وفي غزوة أحد قام بخيانة عظيمة جدا قبل بدأ المعركة لكي يهز الجيش ويجعله متصدعا منهزما نفسيا قب بدأ المعركة فقد سحب أتباعه وجماعته وهم يقدرون بثلاث مائة مقاتل أي ما يقارب ثلث الجيش، ولا غرو أن ثلث الجيش رقما صعبا في أي معركة وهو يعد من أسباب الهزيمة التي لحقت بالمسلين في المعركة ومع هذا لم يقم النبي بتصفيته أو تصفية أعوانه مع ما يحملونه من نظرة سلبية حلول شخص النبي وحول الرسالة بل كانوا يعملون ليل نهار بعكس ما يقوله النبي ولذا قال تعالى فيهم ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ () اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ () ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ[1]
والحادثة الثانية هي في فتح مكة فقد دخل أعداء الأمس الذين قاتلوا الرسول ورسالته وبعد التمكن منهم اكتفى بالشهادتين في إعلان إسلامهم مع كل السلبيات التي سبقت منهم والتي لا شك أن بعضهم لم تتغير نظرته حول رسول الله صلى الله عليه وآله وحول رسالته قيد أنملة وأنما جعل من الرسالة مغنما فيما بعد كملك عضوض حارب به أهل البيت عليهم السلام.
إذا النبي صلى الله عليه وآله أقام نظام التعايش بين مختلف الأفكار والأنظار حتى ذات البعد العقائدي.

وهذا الأمر نلاحظه في حركة أمير المؤمنين عليه السلام مع الخوارج فهم كانوا يرونه (والعياذ بالله) كافرا ومع هذا هو لم يبدأهم بحرب حتى حملوا السيف عليه ولم يتبع من فر منهم ولم يتعامل مع من أنكروا حقه معاملة الكفار فقد تعامل على ظاهر الإسلام مع كل من خذله وتركه.

المسلمون بين التناحر والتقاتل والمطالبة بالوحدة:
القرآن الذي نزل على نبي الرحمة يقول فيه الله تعالى ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[2]﴾ ويقول تعالى ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ[3]﴾ إلا أننا كأمة واحدة تزداد العداوة فيما بيننا كلما اختلفنا في الرؤى والأفكار حول محور ما ويصل بنا الحال إلى التناحر والتقاتل بل التفاخر به كذلك حتى صار المسلم يذبح المسلم مكبرا عليه كما تذبح الكبش، مع أن السيرة العطرة للنبي الأكرم وما نزل به القرآن الداعي للتعقل والحوار على خلاف السلوك الذي يجري على بعض من ينتسبون للإسلام.

الوحدة الإسلامية ضرورة بقاء ووجود وليست من قبيل هوامش اللقاءات أو ترف الكلمات فلا تأثير للأمة كل الأمة ما دامت في ظل التناحر إذ ذاك وضع التدهور وكثرة المآسي وتعمق المشاكل التي لا تنتهي ولن تنتهي ما دمنا على هذا الحال، فالنبي صلى الله عليه وآله كان يعمل على إيجاد حالة الأخوة مع مختلف الشرائح مع أنهم بالضرورة الواقعية كانوا مختلفين في طريقة تفكيرهم ومحتوى أفكارهم وبذلك حصل التأثير على بقية المجتمعات المحيطة واستطاع تغيير الأمة الجاهلة إلى أمة ناهضة، فلماذا يصر على البعض بالرجوع إلى زمن الجاهلية الجهلاء والعصبية العمياء ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ[4]﴾ (50)



[1] المنافقون 1-3
[2] النحل 125
[3] سبأ 24
[4] المائدة 50

الاثنين، 4 نوفمبر 2019

آدم عليه السلام بين النعيم والامتحان


آدم عليه السلام بين النعيم والامتحان
كان آدم عليه السلام في جنته ذات الخضرة والماء بجانب زوجه حواء أنيسه ومؤنسه كالملكين لا ينغص عليهما في هذه الجنة الجميلة منغص، يستمتعان بوقتهما أيما استمتاع حتى أنه لو كان هناك إنسان موجود يراهما لحسدهما مما هما فيه من نعيم.
الظاهر أنه نعيم إذ لم يكن يتصور أحدهما أن هناك حسداً أو حقداً أو كراهيةً أو غير ذلك من منغصات النفس الشيطانية. آدم خلقه الله ورأى من هذه الجنة كرامة وأي كرامة، فكل إنسان يتمنى أن يعيش هذه العيشة الصافية والخالية من المكدرات.
في كل هذا النعيم لا يوجد إلا امتحان تحذيري واحد عليك يا آدم أن تنتبه له ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فقط هذا هو التنبيه. لكن لماذا؟! فهي أحد هذا النعيم والجنة الغناء. سؤال محيّر فعلاً، فما المائز بينها وبين بقية الأشجار؟!
لنترك الأمر ولننسى شأن هذه الشجرة... ولكن.. قف لحظة.. وفكر معي ألا تحب أن تبقى في هذه الجنة للأبد؟ أليس العيش في هذه الجنة بكل صنوفها وجمالها رغبة تطمع فيها النفس البشرية التواقة للجمال والسعادة؟ هل يستطيع إنسان أن يقول لا للأبدية في مثل هذا النعيم؟ يا آدم هذا النهي ليس تكليفيا تستحق عليه العقاب. هذا النهي لا يترتب عليه جنة أو نار. ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ لهذا السبب فقط.. ألا تحب أن تكون في مرتبة أعلى ألا تحب الخلود، إذا فلتأكل منها..
نعم أكل آدم منها بعد أن دلهما الشيطان بغرور.. وأكثر العجب من آدم أنه لم يكن يتصور حقد وحسد الشيطان له إلا بعد هذه اللحظة التي ذاقا فيها الشجرة فتكشفت لهما كل سواد السوء من ابليس بعد أن كانا لا يريان إلا الخير.. كأني بآدم يصرخ من أعماق قلبه وبأعلى صوته " كيف لي أن أنسى ما حذرني ربي منه فهو عدو" ...
لم يكن آدم قد ذاق معنى العداوة والحقد والبغضاء، ولكنه بعد هذه الحادثة تراء له بالبصر والبصيرة ماذا يعني وجود الشيطان في حياة الإنسان.

آدم بعد الجنة
أن يذهب منك كل شيء فهذا أمر عزيز، ولكن أعز منه أن تطرد منه، آدم يعلم أن الجنة لم تكن ملكه ولن تكون ملكه في يوم ما. هو يعلم أنه مخلوق من أجل الخلافة في الأرض كي يعمرها هو وبنيه من بعده.
سقط أبونا آدم عليه السلام في امتحانه التجريبي وكانت الجنة امتحان صعب عليه خسر فيه الرهان وعليه أن يعوض ما فاته.
أُنزِل إلى الأرض. إلى أرض قاحلة بلا شجر ولا مأوى ولا زوجة ولا أنيس فقد خسر كل ذلك النعيم الكبير في الامتحان العسير.
كان هذا الامتحان مقررا له حتى يُعلِّم ذريته التوحيد الحقيقي بأن كل ما يرونه من نعيم فهو غير باق لهم إذ لا يبقى شيء إلا وجه الله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
أرض مكة القاحلة والخشنة ذات الحجارة الصماء مدرسة التوحيد الحقيقة، فكيف للإنسان أن يدرك ذلك لولا أنّ آدم نزل من جنته إليها. فأرض مكة اقترنت بالتجريد للنفس البشرية إذ لا مخيط ولا زوجة ولا زينة ولا غير ذلك من نعيم الدنيا فكما نزل أبونا آدم بها ننزل بها نخلع ثياب نعيم الدنيا ومتعلقاتها فتنكشف كل لنا سوءات معاصينا بما تحويه من قاذورات الخطايا والذنوب ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا﴾.
رحلة التوبة شاقة وهي كلفة ذلك النعيم المُغْدَق على الإنسان فمع كونها شاقة فهي تستحق العناء وتنتهي بأجمل أمنية تتمناها في منى كما تمناها أبونا ونبينا آدم عليه السلام فعرف طريق السعادة الأبدية. ولكن بشرط ما عمله آدم بعد الهبوط التوبة الخالصة والعمل الصالح والاجتهاد في التكفير من الخطايا فأبونا آدم ذاق مرارة المعصية فكفرها بحلاوة الابتهال ..فإليك أبتهل يا ربي.
مالك محمد علي درويش
2 – 8 – 2016 مـ
27 شول 1437 هـ

الجمعة، 1 نوفمبر 2019

كفالة عبد المطلب للنبي (ص)..الدرس المستفاد


﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى[1]    
اليتيم من الناحية الشرعية هو الفاقد لأبيه قبل أن يحتلم وإن كان في العرف يأخذ معنى أوسع من ذلك، ولكن اليتم الشرعي يترتب عليه أمور شرعية من أهمها نظام الولاية والكفالة المتعلقة باليتيم ففي الشريعة المقدسة أن فاقد الأب تكون الولاية عليه للجد من جهة الأب وفي الحقيقة ولاية الأب والجد على القاصر متساوية ثم بعدهما تنتقل إلى الموصى عليه من قبلهما ومع فقدهما تنتقل إلى الحاكم الشرعي وهو الفقيه وله أن يوكل وصيا عليه بل له رفع ولاية الأب أو الجد ومنعهما من التصرفات المالية لو ثبت أنهما يأكلون مال اليتيم بغير وجه حق ومع عدم الوصول للحاكم الشرعي تكون الولاية لعدول المؤمنين، ولا ولاية للأم أو الأعمام والأخوال أو غيرهم إلا أن يكونوا أوصياء من قبل الأب أو الجد أو من قبل الحاكم الشرعي.

كفالة عبد المطلب للرسول الأكرم:
لم يثن كون جد النبي صلى الله عليه وآله كبيرا وهو أب لعشرة أبناء سوى البنات عن رعاية حفيده منذ ولادته فقد كان رفيقا له ويوليه عناية فائقة فعن الإمام الصادق عليه السلام قال : كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لاحد غيره وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وهو طفل يدرج حتى جلس على فخذيه ، فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه ، فقال له عبد المطلب : دع ابني فإن الملك قد أتاه[2]"
و "عن ابن عباس، قال : « كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة ، لا جلس عليه أحد إلا هو إجلالاً له ، وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج عبد المطلب ، فكان رسول الله « صلى الله عليه وآله » يخرج وهو غلام فيمشي حتى يجلس على الفراش ، فيَعْظُم ذلك على أعمامه ويأخذونه ليؤخروه فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني فوالله إن له لشأناً عظيماً ، إني أرى أنه سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم ، إني أرى غرته غرة تسود الناس ، ثم يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبله ويقول : ما رأيت قبلة أطيب منه ولا أطهر قط ، ولا جسداً ألين منه ولا أطيب منه . ثم يلتفت إلى أبي طالب ، وذلك أن عبد الله وأبا طالب لأم واحدة ، فيقول : يا أبا طالب إن لهذا الغلام لشأناً عظيماً فاحفظه واستمسك به ، فإنه فرد وحيد ، وكن له كالأم ، لا يوصل إليه بشيء يكرهه ، ثم يحمله على عنقه فيطوف به أسبوعاً[3]"
وهذا الارتباط القوي جعل من النبي بأبي وأمي يبكي خلف جنازة جده وقد توفي وهو في الثمانين وكان عمر النبي ثمان سنوات على ما يروى وقد فقد امه آمنة قبل ذلك وهو في سن السادسة.
بعد هذا انتقلت الكفالة لأبي طالب فكان كالأب وكانت زوجته فاطمة بنت أسد كالأم ولذا كان يسميها أمه.
وهنا لنا وقفة مهمة فاليتيم بحاجة ماسة لمن يكفله وكلما كان الكافل أقرب لليتيم كانت الكفالة أولى له من غيره والجد بما أنه في مقام الأب تماما فهو لازم عليه شرعاً وهذا الدور قد قام به عبد المطلب بأحسن ما يقوم به كفيل، ولكننا قد نجد بعض الأجداد منهم بصحة لائقة يبتعدون عن حفدتهم اليتامى بسبب وآخر والصحيح أن يقوم الجد مقام الأب تماما بل أكثر من ذلك فحاجة اليتيم لوجود رجل قدوة في حياته مهم جدا، وهذا ما قد يغفله الكثير من الأسر فتكون تربية اليتيم على عاتق الأم لوحدها ويتخلى أقربائه من الرجال عنه ونحن نقرأ أن عبد المطلب قد أوصى لأبي طالب كفالته من بعده لما وجده أحن أعمامه عليه وقد كتن أبو طالب ووالد النبي من أم واحدة.

ولذا أولى الإسلام باليتامى أيم اهتمام فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كن لليتيم كالأب الرحيم، واعلم أنّك تزرع كذلك تحصد"
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "أدّب اليتيم ممّا تؤدّب منه ولدك واضربه مما تضرب منه ولدك"
عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ قال: "يعني اليتامى إذا كان الرجل يلي الأيتام في حجره فليُخرج من ماله على قدر ما يحتاج إليه على قدر ما يخرج لكلّ إنسان منهم، فيخالطهم ويأكلون جميعاً. ولا يرزأنّ من أموالهم شيئاً إنّما هي النار في بطونهم نار"
روي أنّه لما أستشهد جعفر بن أبي طالب، أتى رسول الله أسماء فقال لها: "أخرجي لي ولد جعفر فأُخرجوا إليه فضمّهم وشمّهم"

ولذلك علينا أن نتوجه تماما لمثل هذه السيرة العطرة في كيفية التعامل مع الأيتام، فالمسألة ليست رعاية مالية فقط مع أهميتها ولكن النظام الاجتماعي الحالي صار فيه نوعا من الخلل فالأم قد تستفرد بالتربية على حساب وجود رجل في جانبهم وهذا ما يسبب خللا في تربية الأبناء فقد تضعف شخصية الولد مستقبلا من دون وجود الرجل الكافل في جنبه.
وبعبارة أوضح أن الأبناء يحتاجون إلى مرافقة الوالدين حتى يشتد أمرهم ويكونون قادرين على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم وفي حال موت أحد الأبوين لابد من معوض يقوم مقامه يسد النقص من هذا الجانب، ولذلك ليس من الصحيح أن يقول الأب الأرمل أو الأم الأرملة أننهما لم يتزوجا حتى يتفرغا لتربية أولادهم.. لأن هه التربية تربية منقوصة فالأم لا تعوض عن الأب والأب لا يعوض عن الأم مهما فعلا ويمكن مراجعة البحوث المتعلقة بالتربية والتركيب النفسي لكل من الرجل والمرأة، فأقل شيء هو المصاحبة فمصاحبة المرأة لابنتها في المحافل النسائية وبقائها في جنبها ينمي شخصيتها من هذا الجانب وهكذا الرجل عندما يصاحب الابن في المحافل الرجالية يقوي شخصية الابن من هذا الجانب.
نعم من المهم عندما يريد أرمل أو الأرملة الارتباط أن يبحثا ليس عن زوج فقط بل عن زوج وأب حنون أو زوجة وأم حنونة وهو ما يعقد صعوبة البحث ولكن ذلك ليس مستحيلا لأن مصير آخر مرتبط بهذا الزواج ولذا نجد فاطمة الزهراء عليها السلام بأن يتزوج أمير المؤمنين زوجة بعدها تكون رؤوفة بأولادها وذلك حفاظا على هذا البعد في الحياة الأسرية عندما يكون أحد عمودي الخيمة الأسرية مفقودا.
لأن من المهم عندما نتعامل مع اليتيم أن نتعامل بمنظور قوله تعالى ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ[4] .


[1] الضحى 6
[2] الكافي - الشيخ الكليني - ج 1 - ص 448
[3] جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) - الشيخ علي الكوراني العاملي - ج 1 - ص 113
[4] الضحى 9