الاثنين، 28 ديسمبر 2020

الخطبة الفدكية.. بعض الدلالات

 

الخطبة الفدكية.. بعض الدلالات

 

الخطبة الفدكية التي ألقتها سيدة نساء العالمين تعتبر نقطة فاصلة بين مرحلتين في ترتيب استراتيجية أهل البيت عليهم السلام لما هو بعدها من طريقة التعاطي مع الواقع المفروض عليهم.

فالخطبة برغم ما تشكله من ظهور في المطالبة بالحق المسلوب تستبطن في خلفياتها وما وراء السطور ما ينبغي لأمير المؤمنين عليه السلام وأبنائها القيام به بعد هذه الخطبة العظيمة.

 

التشكيك في هذه الخطبة:

قام البعض ولا يزال آخرون في التشكيك بصدور هذه الخطبة من ابنة النبي صلى الله عليه وآله في وجه السلطة القائمة حديثا بعد وفاة الرسول الأعظم، وهذا التشكيك راجع لأهمية هذه الخطبة لما ألقت فيها سلام الله عليها من ضوء على خلفيات الاستبعاد لأمير المؤمنين عليه السلام  ومصير الأمة اللاحق وإن كان العصب الأبرز ظهوراً فيها هو المطالبة بفدك.

 

حل مشكلة الصدور:

أن المناقشة السندية للرواية ساقط لعدة اعتبارات:

الأول: أن المعالجات السندية في روايات الأحكام تختلف عن المعالجات الروائية في التاريخ ففي روايات الأحكام هناك مدارس عدة من أهمها طريقتين إحداها المعالجة السندية عن طريق صحة السند وهي ما يعبر عنها بمسلك الوثاقة، والثاني مسلك الوثوق وهي تعتمد القرائن المختلفة التي يطمئن من خلالها الفقهية عن صدور الرواية من العصوم حتى ولو كان في الرواية خدشة سندية.

أما الروايات التاريخية فالاعتبار لا ينشأ من خصوص هذين المسلكين إذ لها طريق آخر وهي كون الرواية التاريخية لا تعارض أصلا عقائديا أو حكما شرعيا وتكون في نفسها محتملة الوقوع بلحاظ الزمان والمكان. فالروايات التاريخية المعتبرة على درجات منها ما هو صحيح السند أو محفوف بالقرائن الدالة على صحتها وأيضاً إذا كانت الرواية مشهورة لم يقدح بها العلماء أو كونها لا تعارض أصلا عقائديا أو حكما شرعياً.

هذه الرواية بالإضافة إلى شهرتها ولم يعترض عليها علماء الطائفة بل تسالموا عليها فإن هناك قرائن على صحتها كذلك، إذ رويت بطرق متعددة من الشيعة والسنة فليس فيها دواعي الكذب عندما تروى عن طريق أهل السنة مع كونها في صف المعارضة للسلطة القائمة أنذاك ومضمونها متوافق مع مجموعة روايات أخر تؤكد نفس المضمون وهي متوافقة مع الأصول العقائدية ولا تخالف حكما شرعيا.

 

ثانيا: أن الرواية لا يمكن التشكيك في مضمونها لكونها في مقام إثبات الحجية فقضية فدك وخصومة الزهراء عليها السلام مع الخليفة الأول مما لا ينكره أحد من المحققين من كل الطوائف، وفي مقام الاحتجاج لا ينظر إلى صحة السند أو ضعفه بل ينظر لنفس الحجة التي فيها هل هي صحيحة في ميزان الاحتجاج أم لا؟ وهنا الخطبة الفدكية من قبيل هذه الروايات والتي استعرضت الحجة مقابل الحجة فمن أراد أن يوهناها عليه أن يوهن الحجة المتضمنة لها وليس السند المؤدي لها.

 

ثالثا: أن من طرق الإثبات للرواية دراسة المضمون وسبك العبارات والجمل، فمثلا عندما يأتي أحدهم للروايات عن أمير المؤمنين عليه السلام ويعيش جوها الخاص في طريقة العرض وسبك الجمل مع ما تحمله من مضمون يستطيع بعد الخبرة الطويل أن يحصل له أنس خاص بخطب وحكم ومرويات أمير المؤمنين عليه السلام، بحيث يستطيع من دون النظر إلى السند أن يميز بين مقولات أمير المؤمنين عليه السلام من مقولات غيره. وهذا أمر يفهمه أهل اللغة والبيان والأدب.

والخطبة الفدكية في سبكها ولحن قولها مع مضمونها متناسب الصدور من فاطمة عليها السلام، ولا يمكن أن تخرج من غير هذا البيت صلوات الله عليهم أجمعين.

 

ما قبل الحدث:

لكي نفهم قوة الحجة في هذه الخطبة الفدكية فإن ذلك يعتمد على شيء أساس في شخصية الزهراء عليها السلام، وليس المقام هنا عن ذكر مقاماتها التي قد تخفى على الكثير من الناس، ولكنّ لها معرفة أولية يدركها كل من نظر للروايات من طرق أهل السنة قبل روايات أهل الشيعة في شأنها.

فلو ركزنا على نوعين من الروايات أولها كونها سيدة نساء العالمين والثانية كون رضاها وغضبها مرتبط بالله عز وجل فإن النتيجة الحتمية ستوصلك أنّ الحجة مع قول فاطمة عليها السلام.

فما رواه الحاكم في المستدرك عن رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) أنه قال لفاطمة(عليها السلام) "إن الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك. ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه[1]".

وفي البخاري ومسلم عن النبي صل الله عليه وآله أنه قال "فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي[2]"

وقال النبي صلى الله عليه وآله "حَسْبُك مِنْ نساء ِالعالَميَن أَرْبَع: مَرْيمَ وَآسيَة وَخَديجَة وَفاطِمَة[3]"

 

فمثل هذه الروايات تعطي الحجية لفاطمة من دون أي شهادة أخرى في صفها، فلو رجعنا لقصة مريم وولادتها في القرآن فإن القرآن يثبت نزاهة قول مريم باعتبارها صديقة طاهرة مطهرة مع أنه لا يوجد شهود من البشر على طهارتها ولهذا أيدها بنطق الصبي في المهد عليه السلام. والتشكيك لم يكن قد جاء من قبل المؤمنين بل من هم في الطرف المقابل ولذا جاءت بالمعجزة إذ أنهم لم يؤمنوا بأنها سيدة النساء في زمانها ولو أنهم كانوا يؤمنوا بأنها سيدة نساء أهل زمانها وأنهم أطهرهم عفة وأنقاهم سريرة لصدقوها بمجرد قولها بلا طلب للدليل.

 

هنا فاطمة الزهراء عليها السلام قد أثبت النبي صلى الله عليه وآله لها السيادة وصدق القول في الحديث بهاتين الروايتين وغيرها، فكونها سيدة نساء العالمين وأن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها أنها مصدقة في القول والدعوى فلا تحتاج إلى دليل آخر معها.

 

ما سبب رد دعواها:

بحسب ظاهر الخطبة أنها تطالب بفدك ولكن ما وراء السطور هي تطالب بأكثر من ذلك إذ هي ترسم نهجا لما بعد الخطبة بما سيقوم به زوجها وابناؤها من بعدها.

فمطالبتها بفدك ليس طلبا للرفاهية والعيش الوفير، فقد كانت فدكا تحت تصرفها في حياة رسول الله من السنة السابعة للهجرة ولم تغير من حياتها شيئا إذ أن تاريخ فاطمة عليها السلام يحمل تاريخ النبي صلى الله عليه وآله بكل مشاق الدعوة وتضحياته ومحنه، فمع أنها كانت ابنة أغنى امرأة في قريش ولكنها عاشت الجوع والعيش البسيط وتعودت عليه، فهي الطفلة المحاصرة في شعب أبي طالب والزوجة التي سكنت البيت المتواضع وهي ابنة رئيس الدولة والقائد الأعظم لها، وهي أم الأبناء الذين بقوا ثلاثة أيام معها ومع زوجها بلا طعام حتى قال الله تعالى في حقهم ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا[4]﴾.

الخليفة السياسي يفهم هذا جيدا فليس في بيت علي عليه السلام من يطلب الدنيا وإن أقبلت عليهم. فالرفض منه لم يكن إلا سياسيا بحتا، إذ القبول يفتح بابين كلاهما مرّ على المستوى السياسي قبوله.

فأولا: قبول دعواها سيفتح الباب أمام المطالبة بما هو أعلى من ذلك وهو نفس الأمارة السياسية لزوجها أمير المؤمنين باعتباره حق مصدق على لسانها، ولهذا فإن عدم قبول دعواها في فدك يقطع الطريق على ما هو أعلى من ذلك.

والأمر الثاني: أن تاريخ هذه العائلة يشهد بأن أمها السيد خديجة قد بذلت كل مالها في نصرة زوجها النبي صلى الله عليه وآله وفاطمة سائرة على هذا النهج، فالمال يشكل نقطة فارقة وكبيرة جدا في تغيير المعادلات في ذلك الوضع.

وعليه فالسياسة حكمت على علي عليه السلام أن يكون فقيرا لا أقلها في هذا الظرف المفصلي لكي لا يحرك بالمال ما هو ساكن لو قدر له إقامة ثورة على النهج القائم، فلم تجد السياسة مخرجا غير التدرع بحديث "نحن معاشر الأنبياء لانورث ما تركناه صدقة" وهو حديث لو صح فهو حمّال ذو وجوه. ولم يكن قد عمل بهذا الحديث إلا في إرث فاطمة فقط دون سواها.

إذ لو كان كل مال تركه النبي صلى الله عليه وآله صدقة للزم إخراج نساء النبي من دورهن أو لا أقلّها أخذ الأجرة على سكناهن وهذا ما لم يحدثنا التاريخ به، بل الذي حدثنا أن أم المؤمنين عائشة تتحكم في دارها تحكم المُلاك فلا يدخل أحد من المسلمين أو يدفن فيها إلا بإذنها.

ولهذا كانت الخطبة الفدكية تحتوي مضامين خارج إطار المطالبة بفدك فقط، فهي ذكرت علل الأحكام وموقعية زوجها من الرسالة واستنهاض الأنصار مع العلم بالخذلان، وغير ذلك من أمور فتكون هذه الخطبة أبعد من مطالبة بفدك، فهي تظهر المظلومية للسيد الزهراء وأهل بيتها عليهم السلام ومظلومية الرسالة بأكملها، ولهذا فقد خطت نهجا جديدا لأهل بيتها يكتنفه التضحية والفداء مع المحافظة على القيم العليا للإسلام وبهذا تكون زفرات أنفاسها وأنات آلامها وحمرة دمائها التي سالت خلف الباب والتي توجت بشهادتها هي مستقبل الخط الذي ينبغي السبيل إليه عندما يسلب الحق وتغيب موازين العدل بين الناس.

فالسلام عليها يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حية شهيدة وشاهدة.

والحمد لله رب العالمين

 

مالك محمد علي درويش

29 / 12 / 2020

15 جمادى الأولى 1442 ه

 

 

 

 



[1] المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري ج3 ص154

[2] البخاري (3714)، ومسلم (2449)

[3] مستدرك الصحيحين ج 3 باب مناقب فاطِمَة ص 171

[4] الانسان-8

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق