الاثنين، 28 نوفمبر 2022

مناقشة مع نبيل مخلوق حول الحكم الأولي في ستر المرأة أمام المحرم

 مناقشة مع نبيل مخلوق حول الحكم الأولي في ستر المرأة أمام المحرم

رداً على "نبيل مخلوق" عضو مؤسس لجمعية التجديد الثقافية والاجتماعية – البحرين الذي رفع على منصة تويتر مقطع لسماحة الشيخ صباح شبر حفظه الله ورعاه مبتورا قد بيّن فيه الحكم الأولي لما يجوز للمرأة أن تظهره أمام المحارم وما يجب ستره عنهم إذ بيّن سماحة الشيخ أن الواجب بحسب الحكم الأولي هو ما بين السرة والركبة، ولكن المقطع لم يكمّل لبيان الحكم الثانوي المتعلق به والذي وضحه سماحة السيد بعد ذلك وكان رفعه لهذا المقطع في مقابل ما تتبناه الجماعة من قول لسامر الاسلامبولي الذي يرى جواز أن تظهر المرأة للناظر الأجنبي فضلا عن المحارم تمام البدن ما عدا الجذع وهو ما يكون ساترا من الرقبة حتى الوركين بما يشمل الصدر والبطن والظهر وشيئا من فخذيها

 

وهذا هو الرد

أولا: لا يعدل من الدليل على حكم ما النظر في فتوى أخرى تحمل نفس الموضوع وكأن الحكم فيه منحصر بينهما فإذا كانت فتواك خطأ فتكون فتواي صح. إنما الحكم تابع للدليل فكان الأحرى بك أن تأتي بدليل الفتوى التي ترتضيها في أن الستر الواجب للمرأة هو الجدع وتقيم الحجة عليه باعتبار أن التقليد عندكم باطل، فلا قبول عندكم للفتوى من غير أن تجعل نظرك الشخصي فيها وإلا اعتبر هذا تقليد محض من غير استدلال.

أما نحن فيمكننا أن نأخذ الفتوى من الفقيه من دون النظر إلى الدليل لأن العقل عندنا يحكم بتقليد المتخصص في مجاله عندما لا يسعني المجال للتخصص فيه.

 

ثانيا: عندما يكون هناك رأي متكامل فالأمانة تتطلب منك نقل الرأي بأكمله لا بتره قبل إيصال ما يتعلق به.. وأتحداك أن تتم الجزء اللاحق لهذا المقطع، فهو لا يخدم غرضك من تشويه حكم الفقهاء.

 

ثالثا: عندما تريد نقاش أمر ما يختص بحكم معين عليك أن تتعرف على مبادئ فهم ذلك الحكم قبل الخوض في النقاش، ولذا وجب أن أعلمك بعض ما تجهل عندما تريد أن تتعامل مع الفتاوى ذات الحكم الأولى.

 

رابعا: الحكم الأولي لا يعني أنه الحكم الثابت على كل حال وفي كل ظرف، بل هو حكم عام أو مطلق بلحاظ دليله بقطع النظر عن الأحكام الأخرى وهو قابل للتقييد والتخصيص بلحاظ أحكام أولية أخرى ينتج الجمع بينها أحكاما ثانوية تكون هي الثابتة في حق المكلف من الناحية العملية وهذا أمر شائع لمن يدرس الفقه والتشريع الإسلامي ولكن لا عتب عليك ما دمت تجهل بأبسط مبادئ فهم الفتاوى.

 

خامسا: في الفتوى المذكورة هناك بجانبها أحكاما أولية أخرى لكي يتضح ما هو ثابت في حق المرأة عندما تريد تطبيق الفتوى.

الحكم الأولي (1): الواجب على المرأة أمام المحارم ستر ما بين الركبة والسرة.

الحكم الأولي (2): لا يجوز للمرأة أن تظهر ما يلزم منه إثارة الشهوة الريبة للمحرم.

الحكم الثانوي أن كل ما يظهر من المرأة للمحارم إذا استلزم منه إثارة الشهوة أو الريبة فهو حرام.

وعليه سيكون هناك تقدير يوازن بين الحكم رقم (1) ورقم (2) في إظهار ما يجوز إظهاره وإخفاء ما يجب إخفاءه بلحاظ هوية المحرم والظرف والزمان والمكان في تقدير ما يصح إظهاره، فما يثير الأخ المراهق أو الشاب الأعزب يختلف عن الأخر المتزوج، وما يكون مثيرا في الزمان السابق يختلف عما يكون ما يثير في الزمن اللاحق وعندما ينحصر العلاج أو التداوي بين محرم وغيره ويلزم منه كشف جزء من الجسم المتعلق بالحكم الأولي (1) فيلزمها الحكم التداوي عند المحرم.. وهكذا.

 

سادسا: الأحكام الأولية في الشريعة تجدها في كل أبواب الفقه، ولكن عندما تسمع بحكم أولي أو أحيانا يعبر عنه "جائز في حد ذاته" فاعلم أن هناك أحكام أولية أخرى ينتج الجمع بينها الحكم الثانوي الثابت في حق المكلف حين التطبيق.

 

مالك درويش

29/11/2022 م

الاثنين، 21 نوفمبر 2022

مناقشة (5) مع الشيخ إبراهيم الجفيري


مناقشة (5) مع الشيخ إبراهيم الجفيري

حول مقاله في مجلة التجديد العدد (6) مارس 2010 بعنوان "التقليد الفقهي.. مناقشة غير تقليدية"

قال بعد نقل كلام الشهيد الأول في الذكرى "ووافقهم على ذلك من المتأخرين جماعة من الإخبارية على رأسها محمد أمين الإسترابادي، وتابعه آخرون على رأسهم الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة، ويشير الشريف المرتضى إلى الخلاف بين العلماء حول التقليد في رسائله.." ثم ذكر مقاطع من كلامه عليه الرحمة.

 

أولا: ما ذكر من وجود الخلاف على أساس حكم التقليد جوازا وحرمة هو مما لا ينكر، ولكنّ المحرمين له هم القلة القليلة التي لا تمنع ثبوت الإجماع وما ذكره كاتب المقال لا يثبت ما صدره في أول المقال بالكثرة والغلبة ومما يؤكد هذا القول السيد المرتضى نفسه  في كتابه الذريعة في الجزء الثاني ص 797 "والذي يدل على حسن تقليد العامي للمفتي أنه لا خلاف بين الأمة قديما وحديثا في وجوب رجوع العامي إلى المفتي، وأنه يلزمه قبول قوله، لأنه غير متمكن من العلم بأحكام الحوادث، ومن خالف في ذلك كان خارقا للإجماع" فيكون ما ذكره السيد في رسائله من الخلاف قد بيّن حجمه في الذريعة.

 

ثانيا: أن من قال بوجوب الاجتهاد على كل عامي كلامهم غير واضح في الاجتهاد بالمعنى المتداول في كلام الفقهاء وهو بذل الوسع والجهد في استنباط الأحكام الشرعية، بل هو كما يقول السيد المرتضى نفسه في كتاب الذريعة بقوله "اعلم أن في الناس من منع من الاستفتاء، وزعم أن العامي يجب عليه أن يكون عالما بأحكام فروع الحوادث، وإنما يرجع المستفتي إلى المفتي لتنبهه على طريقة الاستدلال" وبهذا المستوى لا يجعل من العامي مجتهدا بل هو مطلع على استدلال الفقيه وهذا قد يحصل حتى في هذا الزمان إذ قد يسأل مرجعه عن دليل الحكم فيجيبه بما يتحمله مستوى إدراك السائل بذكر الرواية أو القاعدة.

 

ثالثا: أن الإخبارية لا تنكر التقليد في التحقيق وإنما الخلاف عندهم هل التقليد يرجع إلى نفس المرجع أو إلى دليله، وهذا ليس فارقا كبيرا يجعل من العامي مجتهدا بل أن العامي يكون مطلعا على نفس الخبر الدال على الحكم خصوصا بعد ملاحظة تساهل الإخباريين في قبول الرواية مما يسهل على الفقيه الإشارة إلى مصدر الدليل الروائي لحكمه من دون ذكر المناقشات حوله وهم بذلك يريدون الفرار من التقليد للرأي والذي حملوا عليه معنى الاجتهاد إذ يقول صاحب الوسائل "التقليد المرخص فيه هنا إنما قبول الرواية لا قبول الرأي والاجتهاد والظن، وهذا واضح، وذلك لا خلاف فيه" وهنا ساوى الاجتهاد بالرأي والظن مع أن كلمة الاجتهاد كمصطلح عند المتأخرين لا يحمل نفس المعنى كما هو واضح لمن له أدنى تأمل. ولذا نحيل القراء الكرام على مقدمة السيد الشهيد الصدر حول تطور مصطلح الاجتهاد في الفقه الشيعي من كتابه المعالم الجديدة.

 

رابعا: أنه إذا كان بالإمكان الوقوف على الأدلة في زمن النص وما بعده بذكر نفس الروايات وذلك لكون أدوات الفقه مع اتصال زمن المعصومين أو بعدهم ليست بالتعقيد الذي لحق النصوص ومعالجاتها في الأزمنة المتأخرة فالبعد الزماني أدرج في الفقه وأصوله قواعد لازمة لاستنباط الحكم الشرعي يكون الفرد عاجزا عن إدراكها إلا بالتخصص ولذا يقول الشيخ يوسف البحراني وهو من أكابر علماء الإخبارية في كتابه الدرر النجفية ج1 ص283 "ولا ريب أن من تقدمنا من مشايخنا ـ شكر الله جهدهم ، وأجزل رفدهم ـ بما دوّنوه لنا من الأخبار وبوبوه ورتبوه وهذبوه وحققوه وشرحوه وبينوه وأوضحوه ، وقد قربوا لنا البعيد وهو نوالنا الشديد ، إلّا إنه ليس مجرد الوقوف على كلامهم، والاطّلاع على نقضهم وإبرامهم كافيا في المطلوب، والفوز بالمحبوب؛ لما يعلم من الاختلاف في كلامهم في كلّ مقام، وردّ كلّ متأخر منهم غالبا على من تقدمه وإن كان من أجل الأعلام. بل لا بدّ مع ما قدّمناه من حصول تلك القوة القدسية والملكة الأصليّة التي هي المعيار، وعليها المدار في الإيراد والإصدار، وبها يحصل التمييز بين الغث والسمين والعاطل الثمين والغوص على لآلئ تلك البحار، والاقتطاف من جني تلك الثمار، واستنباط ما يصل إليه عمله ويدركه فهمه من خبايا الأسرار، فكم ترك الأول للآخر! كما هو في المثل السائر، وتلك القوة بيده سبحانه يؤتيها من يشاء"

ومما يؤكد على ذلك أن نفس الاسترابادي في الفوائد المدنية ص468 يقول "والذي ظهر لي من الروايات: طلب العلم فريضة على كل مسلم في كل وقت بقدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت، ولا يجب كفاية طلب العلم بكل ما يحتاج إليه الأمة كما قالته العامة، لأنه غير منضبط بالنسبة إلى الرعية، والتكليف بغير المنضبط محال كما تقرر في الأصول في مبحث علة القياس، بل يفهم من الروايات أن علم الرعية بجميع ذلك من المحالات.

نعم، مقتضى حكمته تعالى أن يوفق لكل وقت من أوقات الغيبة الكبرى رعيته لتحصيل الأحاديث المسطورة في الأصول الممهدة، لتدل الشيعة على الحق الصريح أو على الاحتياط على كيفية مخصوصة. ويجب كفاية على أهل هذه القدرة من كل قطر إذا احتاجوا إلى مسألة أن ينفروا إليه لأخذها أو يعرضوها عليه ليجيئهم جوابها من عنده، ثم لو لم يقدر أحد على الوصول إليه أو لم يبلغه خبره لكان حكمه مثل حكم من كان في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام الظاهر - صلوات الله عليه.

 

والنتيجة أن ما ينقل عن الإخبارية بحرمة التقليد ولزوم الاجتهاد فهم على غير معناه الذي أرادوه وفي قراءة عبائرهم كفاية لمن أراد النصف في القول والحكم.

 

المناقشة لم تنته بعد..

مالك درويش

20 / 11 / 2022


 

السبت، 19 نوفمبر 2022

مناقشة (4) مع الشيخ إبراهيم الجفيري


مناقشة (4) مع الشيخ إبراهيم الجفيري

حول مقاله في مجلة التجديد العدد (6) مارس 2010 بعنوان "التقليد الفقهي.. مناقشة غير تقليدية"

قال كاتب المقال "فمما تميز به التقليد في القرن الأخير والذي كان سببا للغو فيه هو قول الفقهاء "إن عمل العامي من دون تقليد باطل" حيث كان السيد اليزدي رحمه الله هو أول من أفتى بهذه الفتوى، وأول من توسع وفرع وفصل في مسألة الأعلم، وما الذي يجب على المكلف فعله في حال مات مقلده.."

 

أولا: إذا كان كلام العروة هو سبب للغو في القرن الأخير فهذا يناقض كلامه عن أن أكثر القدماء يفتون بحرمة التقليد فبالنتيجة لا علاقة لفتوى السيد اليزدي بمن يقول بحرمة التقليد أو وجوبه في الزمن القديم أو الحديث فالعمدة في الوجوب أو الحرمة هو الدليل وليس قول القائل بأحدهما.

 

ثانيا: قوله أن عمل العامي من غير تقليد باطل هو لازم وجوب التقليد وليس شيئا جديدا نعم اختلف الفقهاء في عمل الجاهل القاصر والمقصر معا أم المقصر فقط كما اختلفوا فيما لو طابق عمله الواقع أو طابق عمله على من كان ينبغي عليه تقليده هل هو باطل أم لا؟ وهذا واضح لمن راجع فتاواهم وقرأ أبحاثهم

 

ثالثا: أن مسألة الأعلمية وبعض ما يتعلق بها ليست بمسألة متأخرة، بل قد قال بها الشهيد الأول وهو من علماء القرن السابع إذ يقول في الذكرى " يجب اجتهاد العامي ومن قصر عن الاستدلال في

تحصيل المفتي بإذعان العلماء له واشتهار فتياه. فان تعدد وجب اتباع الأعلم الأورع - كما تضمنه الحديث - لزيادة الثقة بقوله. فان تقابل الأعلم والأورع فالأولى: تقليد الأعلم، لأن القدر الذي فيه من الورع يحجزه عن الاقتحام على مالا يعلم، فيبقى ترجيح العلم سالما عن المعارض"

 

رابعا: التوسع في مختلف أبواب الفقه الجعفري ليس بالأمر المستغرب لمن له أدنى اطلاع بكتب الفقه قديما وحديثا فالفقه في توسع مطرد وليس باب الاجتهاد والتقليد مستثنى منه نعم كان باب الاجتهاد والتقليد يبحث قديما في باب القضاء استطرادا، ولكنه عند المتأخرين أصبح بابا مستقلا وهذا لا يخدش فيه. إذ ليس المهم أين يوضع هذا الباب هل هول مستقل أم مستطرد؟ بل المهم هو الأدلة على مختلف مسائله وهي مورد الأخذ والرد. فالذي ينبغي نقاشه هو الدليل وليس توسع الباب وتفرعه.

 

المناقشة لم تنته بعد..

مالك درويش

18/ 11 / 2022


 

الخميس، 17 نوفمبر 2022

مناقشة (3) مع الشيخ إبراهيم الجفيري


مناقشة (3) مع الشيخ إبراهيم الجفيري

حول مقاله في مجلة التجديد العدد (6) مارس 2010 بعنوان "التقليد الفقهي.. مناقشة غير تقليدية"

ادعى صاحب المقال "أن الفريق المناهض للتقليد، كان أكثر عددا في القرون السابقة بينما هم الأقل في القرون الأخيرة، ولو كنا في تلك القرون التي كانت للغلبة فيها للفقهاء المناهضين للتقليد لظننا أن جميع علماء المسلمين يحرمون التقليد، تماما كما يظن البعض في هذا الزمان أن جميع علماء المسلمين -منذ بداية الإسلام وإلى يومنا هذا- على كل مكلف لم يبلغ درجة الاجتهاد"

 

أولا: دعوى أن فقهاء القرون السابقة القائلين بتحريم الاجتهاد هم الأكثر عددا لم يرافقها الدليل المؤيد لها فلم يذكر أي دليل يسندها لا من نقل تاريخي ولا من استقراء قام به بإحصاء الفقهاء في تلك القرون وعليه وضع ميزان العدد لتغليب جانب على جانب آخر فهي لا تعدو دعوى فارغة من الدليل الدال عليها.

 

ثانيا: دعواه أن الغلبة في هذا الزمان هو للفقهاء القائلين بالوجوب وكأنّ في هذا الزمان فقهاء يقولون بالحرمة، فهنا نسأل من هم هؤلاء الفقهاء؟ فالمدعي حتى لم يأت بفقيه من هذا الزمان كشاهد على قوله إلا أن يقصد أنّ بعض أعضاء الجمعية أو بعض العلمانيين أو ما يسمون بالمتنورين أو الحداثيين أو من يسمون أنفسهم بالقرآنيين هم فقهاء أيضا.

 

ثالثا: أن ادعاءه هذا يريد من خلاله ان يوحي أن أصل حكم تقليد المكلف غير العالم للعالم هي مسألة تقليدية وهذه مغالطة كبيرة لأن المكلف لا يقلد في أصل هذه المسألة فقول فقهائنا أن المكلف غير المجتهد يجب عليه أن يقلد أو أن يحتاط هو على غرار قولهم يجب على المكلف الصلاة والصوم والحج ويحرم عليه السرقة والغصب والزنا فأصل هذه التكاليف لا تقليد فيها وذلك لكونها من المسائل الضرورية البديهية أو التي لا تحتاج لبسط الجهد في استنباطها أو لكونها من المسائل العقلائية الواضحة أو لكونها وجدانية فطرية، ومن له أدنى اطلاع بالفقه يعرف التفريق بين المسائل الاجتهادية التي تحتاج إلى بذل الوسع في استنباطها والتي تعتمد على مقدمات تخصصية وبين المسائل التي لا تحتاج إلى ذلك.

نعم في فروع مسألة التقليد كما هي فروع الصلاة والصوم تحتاج إلى الاجتهاد المعتمد على الإحاطة التامة بعلوم متعددة يقتدر الفقيه من خلالها على استنباط الحكم الشرعي من مقرراته المعتمدة.

 

رابعا: قد نقل الكاتب في مطاوي المقال كلام الشهيد الأول في الذكرى ولكنه استقطع ما يكون دليلا إليه لا عليه وهذا مخالف للأمانة في النقل إذ نقل "وخالف فيه بعض قدمائهم وفقهاء حلب – رحمة الله عليهم - فأوجبوا على العوام الاستدلال"

وأنا أنقله بتمامه إذ قال في الذكرى عن وجوب التفقه (الاجتهاد) " ووجوبه كفاية، لقوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين). وللزوم الحرج المنفي بالقرآن العزيز. وعليه أكثر الإمامية، وخالف فيه بعض قدمائهم وفقهاء حلب – رحمة الله عليهم - فأوجبوا على العوام الاستدلال، واكتفوا فيه: بمعرفة الاجماع الحاصل من مناقشة العلماء عند الحاجة إلى الوقائع، أو النصوص الظاهرة، أو أن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة، مع فقد نص قاطع في متنه ودلالته والنصوص محصورة.

ويدفعه: إجماع السلف والخلف على الاستفتاء من غير نكير ولا تعرض لدليل بوجه من الوجوه، وما ذكروه لا يخرج عن التقليد عند التحقيق.

 

فالنتيجة: أن الشهيد ذكر أولا أنه أكثر الإمامية على وجوب التقليد وثانيا المخالفين لهم هم بعض القدماء لا الأكثر وعلماء حلب، بل أن قولهم هذا لا يعنى أن يجتهد العوام بل هو تقليد عند التحقيق وإنما هو ألزام المجتهدين على ذكر الدليل على فتاواهم وهذا لا يعنى أن يكون للمقلد نظر في الدليل وإنما يحصل له اطلاع به والاطلاع على الدليل لا يعني كون المطلع مجتهدا ولذا قال "لا يخرج عن التقليد عند التحقيق" وسيأتي توضيح أكثر في المناقشات القادمة.

وثالثا وهو المهم أن الشهيد نقل إجماع السلف والخلف وهذا معناه أن الذين خالفوا من القدماء هم قلة قليلة في حساب التعداد.

 

خامسا: ذكر الشيخ الطوسي في كتابه العدة في أصول الفقه ص ٣١٨ قوله "أنّي وجدت عامّة الطَّائفة من عهد أمير المؤمنين عليه السّلام إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتونهم العلماء فيها، ويسوّغون لهم العمل بما يفتونهم به، وما سمعنا أحدا منهم قال لمستفت لا يجوز لك الاستفتاء ولا العمل به، بل ينبغي أن تنظر كما نظرت وتعلم كما علمت"

وكلامه أوضح من أن يبين، فكيف تسنى للكاتب دعوى الأكثرية؟ والنقل من كتب قدماء العلماء وهم أعلم بآرائهم على خلاف ما يقول وسيأتي ما يؤيد ذلك في المناقشات القادمة.

 

المناقشة لم تنته بعد..

مالك درويش

16 / 11 / 2022

 

 


 

الثلاثاء، 15 نوفمبر 2022

مناقشة (2) مع إبراهيم الجفيري


مناقشة (2) مع إبراهيم الجفيري

حول مقاله في مجلة التجديد العدد (6) مارس 2010 بعنوان "التقليد الفقهي.. مناقشة غير تقليدية"

ادعى بالقول "بدأت الحرب وما تزال سجالا بين العلماء، بين محرم للتقليد وناه عنه، وبين من يراه مهما وواجبا"

وفي هذه الدعوى عليها عدة ملاحظات:

أولا: يجري عليها ما ذكرناه في المناقشة رقم (1) من عدم ضبط مصطلح التقليد فليراجع.

 

ثانيا: لقد وضع كل علماء المسلمين في سلة واحدة مع عدم لحاظ المذاهب وهذا يعنى أن هناك اتفاقا على مصطلح التقليد بينهم مع أنه قد مرّ أن مصطلح التقليد عند أهل السنة التابع لمفهوم الاجتهاد يعتمد على معنى وعند فقهاء الشيعة يعتمد على معنى آخر.

 

ثالثا: هناك بحث مهم وهو خلاف جوهري بين فقهاء أهل السنة من الأشاعرة الذين يقولون بأن الأحكام ليست تابعة للمصالح والمفاسد بل أن فتوى نفس المجتهد يجعل في الحكم مصلحة وبين فقهاء المعتزلة الذين يقولون أن هناك مصالح ومفاسد واقعية لكل مسألة ولكن لو أفتى المجتهد على خلاف الواقع فإنه تحدث مصلحة تغير المفسدة أو المصلحة التي فيها طبقا لرأي المجتهد وبين ما يذهب له فقهاء الشيعة أن واقع المصالح والمفاسد في الأحكام لا تتبدل ولا تتغير وإنما الفقيه يبحث عن المستند لتلك الأحكام فقد توافق الواقع فيكون منجزا وقد تخالف الواقع فيكون العمل معذرا لأنه اعتمد على الحجة الشرعية التي سوغت له الإفتاء في الحكم والعمل على طبقه.

 

رابعا: مع هذا الاختلاف في موضوع الحكم يكون التحريم والتجويز منظاره مختلف وهذا أيضا مما تغافله "الشيخ" ولتقريب الصورة أكثر نقول أن المسلمين كلهم يقرون بوجوب الإمامة فهل هذه المقالة تعني أنهم يتفقون على معنى الإمامة اصطلاحا أو كل له مفهومه الخاص حول الإمامة مما ينتج أن أحدهم يطبقها على الخلفاء وآخرون يطبقونها على الأئمة المعصومون باعتبار الاختلاف في المعنى.

 

خامسا: إن ما يعنينا هو اختلاف فقهائنا من مدرسة أهل البيت عليهم السلام والذين لم يغلقوا باب الاجتهاد إلى هذا اليوم أما المناقشة لفقهاء أهل السنة والذي أغلق باب الاجتهاد بدواعي سياسية وحصر الفقهاء بعدد محدود يلزمون عامة الناس بتقليدهم دون غيرهم فهذا هو خارج بساط البحث إذ بذلك يكون خلط أوراق البحث بتعميم المجوزين أو المانعين من دون لحاظ سبب التجويز والتحريم.

 

المناقشة لم تنته بعد..

مالك درويش

12 / 11 / 2022

 


 

الأحد، 13 نوفمبر 2022

مناقشة (1) مع الشيخ إبراهيم الجفيري

 


مناقشة (1) مع إبراهيم الجفيري

حول مقاله في مجلة التجديد العدد (6) مارس 2010 بعنوان "التقليد الفقهي.. مناقشة غير تقليدية"

أولا: قبل النقاش في محتوى المقال لفت نظري توصيف نفسه بالشيخ وهذه الكلمة لابد من الوقوف عندها.

الشيخ في اللغة هو الرجل المسن وهي حقيقة فيه وقد استعملت في القرآن بهذا المعنى في قوله تعالى "بعلي شيخ" "أبا شيخا كبير" "أبونا شيخ كبير" ولكنها تستعمل أيضا لكل من له مكانة ما علمية أو اجتماعية وإن كان صغير السن، فعليه كلمة واحدة ولكن موضوعهما مختلف وإبراهيم الجفير في بدايات عمره في الحوزة استعملها بالمعنى الثاني واليوم يمكنه استعمالها بالاستعمال الحقيقي أيضا بلحاظ السن.

 

ثانيا: علينا تحديد موضوع كل كلمة بلحاظ الاستعمال الحقيقي والاستعمالات الأخرى المشتركة أو المجازية فقد يكون الزمان والمكان له دخالة في تغيير معناها عرفا، فهي قد تستعمل في بلحاظ في معنى وبلحاظ آخر في معنى آخر وما لم نحدد هوية الكلمة فإن النقاش سيكون ضائعا بين موضوعات متعددة ليس بينها وحدة جامعة، هذا بالإضافة أن المعنى الاصطلاحي في العلوم قد تستعمل نفس الكلمة وتضع لها قيودا وخصوصيات مغايرة عن معناها المستعمل عرفا أو لغة.

 

ثالثا: التقليد في اللغة من الفتل فإذا فتل الحبل حول الرقبة مثلا يقال قلّدها ومنها وضع القلادة حول العنق وإحاطته التامة.

في القرآن وردت بلفظين الأول "قلائد" كقوله "والهدي والقلائد" ويراد بها ما يقلد به الناقة برط حبل في نعل مثلا حول رقبتها كعلامة لتعيينها لشعيرة الذبح في الحج من اليوم العاشر فهي بذلك تحوي معنى الإحاطة.

والثانية "مقاليد" كقوله تعالى "له مقاليد السماوات والأرض" فسرّت بالمفاتيح لما للمفتاح من إحاطة تامة على ما يفتح.

نستنتج من هذا أنه لا يوجد بحث قرآني لتحديد معنى كلمة "التقليد" بالمعنى المتداول عرفا أو اصطلاحا في لسان الفقهاء وعليه لا يمكن أن نجد تحريما قرآنيا للكلمة لا بمعناها اللغوي ولا بمعناها الاصطلاحي

 

رابعا: أن كل ما ادعيَ من معاني للتحريم في القرآن هو راجع لتفسير ألفاظ أخرى في القرآن وحمل معناها على لفظ "التقليد" الذي له معنى لغوي محدد وله معان متفاوتة في الاستعمال قد يكون بعضها يطرء عليه الزيادة والنقصان بحسب الجهة المستعملة له ومن هنا علينا تحديد المصطلح بدقة لكي نسأل هل هذا المصطلح هو ما ينطبق عليه مورد التحريم والمنع في القرآن أو لا.

 

خامسا: هذا المصطلح موضع النقاش حدده في مقاله بمعناه العرفي ناقلا ما ذكره المرتضى من أنه "قبول الغير من غير حجة وشبه" في إحدى رسائله تعريفا للمعنى العرفي وليس المتداول عند الفقهاء في التقليد في باب الفقه فهو لم يضبط لنا المعنى المتداول عند الفقهاء الذين يضبطون التقليد بما يكون ملازما للاجتهاد الفقهي، فالتقليد لا نضبطه حرمة وجوازا إلا بعد الفراغ من ضبط حدود مصطلح الاجتهاد ومن هنا ينشأ عندنا مصطلحين متزامنين فقهيا وليسا منفكين وهذا أيضا ما لم يتطرق له المقال فضبط المعاني والمصطلحات من المهام الأولية قبل أي نقاش.

 

سادسا: ذكر السيد الخوئي في كتابه التنقيح ج1 (النقل بتصرف الاختصار) تعريفين اصطلاحيين للاجتهاد

الأول: وهو ما ذكره أهل السنة "فقد عرفوه ب "استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي" وهذا التعريف نقله جملة من فقهاء الشيعة في كتبهم وقد علق على ذلك "فتفسير الاجتهاد بذلك مما لا تلتزم به الإمامية بتاتا" وذلك "لما هو المقرر عندهم من عدم الاعتبار بالظن في شيء و أن العبرة انما هي بما جعلت له الحجية شرعا سواء أ كان هو الظن أو غيره"

الثاني: "ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية" وقد ضبطه السيد بقوله "تحصيل الحجة على الحكم الشرعي بالفعل اعنى العمل و الاستنباط الخارجيين" وهو بذلك أخرج الاجتهاد بمعنى العمل بالظن، بل هو العمل بما هو حجة شرعا.

 

سابعا: هنا تحصل المغالطة فالتقليد في الاصطلاح الفقهي "العمل والالتزام بفتوى المجتهد الجامع للشرائط" فالسؤال عن دليل الحرمة للتقليد بلحاظ أي اجتهاد هل هو على كل المعاني التي سبقت أم بعض المعاني دون بعض؟ وهذا أيضا ما لم يحرره "الشيخ" وجعل الحرمة مطلقة كما هو واضح لمن قرأ المقال وهو بذلك دخل في عالم المغالطة بتغميم المصطلحات.

 

المناقشة لم تنته بعد..

مالك درويش

14 / 11 / 2022