مناقشة (5) مع الشيخ إبراهيم الجفيري
حول مقاله في مجلة التجديد العدد (6) مارس 2010
بعنوان "التقليد الفقهي.. مناقشة غير تقليدية"
قال بعد نقل كلام الشهيد الأول في الذكرى
"ووافقهم على ذلك من المتأخرين جماعة من الإخبارية على رأسها محمد أمين
الإسترابادي، وتابعه آخرون على رأسهم الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة، ويشير
الشريف المرتضى إلى الخلاف بين العلماء حول التقليد في رسائله.." ثم ذكر مقاطع
من كلامه عليه الرحمة.
أولا: ما ذكر من وجود الخلاف على أساس حكم
التقليد جوازا وحرمة هو مما لا ينكر، ولكنّ المحرمين له هم القلة القليلة التي لا
تمنع ثبوت الإجماع وما ذكره كاتب المقال لا يثبت ما صدره في أول المقال بالكثرة
والغلبة ومما يؤكد هذا القول السيد المرتضى نفسه
في كتابه الذريعة في الجزء الثاني ص 797 "والذي يدل على حسن تقليد
العامي للمفتي أنه لا خلاف بين الأمة قديما وحديثا في وجوب رجوع العامي إلى
المفتي، وأنه يلزمه قبول قوله، لأنه غير متمكن من العلم بأحكام الحوادث، ومن خالف
في ذلك كان خارقا للإجماع" فيكون ما ذكره السيد في رسائله من الخلاف قد بيّن
حجمه في الذريعة.
ثانيا: أن من قال بوجوب الاجتهاد على كل عامي
كلامهم غير واضح في الاجتهاد بالمعنى المتداول في كلام الفقهاء وهو بذل الوسع
والجهد في استنباط الأحكام الشرعية، بل هو كما يقول السيد المرتضى نفسه في كتاب
الذريعة بقوله "اعلم أن في الناس من منع من الاستفتاء، وزعم أن العامي يجب
عليه أن يكون عالما بأحكام فروع الحوادث، وإنما يرجع المستفتي إلى المفتي لتنبهه
على طريقة الاستدلال" وبهذا المستوى لا يجعل من العامي مجتهدا بل هو مطلع على
استدلال الفقيه وهذا قد يحصل حتى في هذا الزمان إذ قد يسأل مرجعه عن دليل الحكم
فيجيبه بما يتحمله مستوى إدراك السائل بذكر الرواية أو القاعدة.
ثالثا: أن الإخبارية لا تنكر التقليد في
التحقيق وإنما الخلاف عندهم هل التقليد يرجع إلى نفس المرجع أو إلى دليله، وهذا
ليس فارقا كبيرا يجعل من العامي مجتهدا بل أن العامي يكون مطلعا على نفس الخبر
الدال على الحكم خصوصا بعد ملاحظة تساهل الإخباريين في قبول الرواية مما يسهل على
الفقيه الإشارة إلى مصدر الدليل الروائي لحكمه من دون ذكر المناقشات حوله وهم بذلك
يريدون الفرار من التقليد للرأي والذي حملوا عليه معنى الاجتهاد إذ يقول صاحب
الوسائل "التقليد المرخص فيه هنا إنما قبول الرواية لا قبول الرأي والاجتهاد
والظن، وهذا واضح، وذلك لا خلاف فيه" وهنا ساوى الاجتهاد بالرأي والظن مع أن
كلمة الاجتهاد كمصطلح عند المتأخرين لا يحمل نفس المعنى كما هو واضح لمن له أدنى تأمل.
ولذا نحيل القراء الكرام على مقدمة السيد الشهيد الصدر حول تطور مصطلح الاجتهاد في
الفقه الشيعي من كتابه المعالم الجديدة.
رابعا: أنه إذا كان بالإمكان الوقوف على الأدلة
في زمن النص وما بعده بذكر نفس الروايات وذلك لكون أدوات الفقه مع اتصال زمن
المعصومين أو بعدهم ليست بالتعقيد الذي لحق النصوص ومعالجاتها في الأزمنة المتأخرة
فالبعد الزماني أدرج في الفقه وأصوله قواعد لازمة لاستنباط الحكم الشرعي يكون
الفرد عاجزا عن إدراكها إلا بالتخصص ولذا يقول الشيخ يوسف البحراني وهو من أكابر
علماء الإخبارية في كتابه الدرر النجفية ج1 ص283 "ولا ريب أن من تقدمنا من
مشايخنا ـ شكر الله جهدهم ، وأجزل رفدهم ـ بما دوّنوه لنا من الأخبار وبوبوه
ورتبوه وهذبوه وحققوه وشرحوه وبينوه وأوضحوه ، وقد قربوا لنا البعيد وهو نوالنا
الشديد ، إلّا إنه ليس مجرد الوقوف على كلامهم، والاطّلاع على نقضهم وإبرامهم
كافيا في المطلوب، والفوز بالمحبوب؛ لما يعلم من الاختلاف في كلامهم في كلّ مقام،
وردّ كلّ متأخر منهم غالبا على من تقدمه وإن كان من أجل الأعلام. بل لا بدّ مع ما
قدّمناه من حصول تلك القوة القدسية والملكة الأصليّة التي هي المعيار، وعليها
المدار في الإيراد والإصدار، وبها يحصل التمييز بين الغث والسمين والعاطل الثمين
والغوص على لآلئ تلك البحار، والاقتطاف من جني تلك الثمار، واستنباط ما يصل إليه
عمله ويدركه فهمه من خبايا الأسرار، فكم ترك الأول للآخر! كما هو في المثل السائر،
وتلك القوة بيده سبحانه يؤتيها من يشاء"
ومما يؤكد على ذلك أن نفس الاسترابادي في
الفوائد المدنية ص468 يقول "والذي ظهر لي من الروايات: طلب العلم فريضة على
كل مسلم في كل وقت بقدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت، ولا يجب كفاية طلب العلم بكل
ما يحتاج إليه الأمة كما قالته العامة، لأنه غير منضبط بالنسبة إلى الرعية،
والتكليف بغير المنضبط محال كما تقرر في الأصول في مبحث علة القياس، بل يفهم من
الروايات أن علم الرعية بجميع ذلك من المحالات.
نعم، مقتضى حكمته تعالى أن يوفق لكل وقت من
أوقات الغيبة الكبرى رعيته لتحصيل الأحاديث المسطورة في الأصول الممهدة، لتدل
الشيعة على الحق الصريح أو على الاحتياط على كيفية مخصوصة. ويجب كفاية على أهل هذه
القدرة من كل قطر إذا احتاجوا إلى مسألة أن ينفروا إليه لأخذها أو يعرضوها عليه
ليجيئهم جوابها من عنده، ثم لو لم يقدر أحد على الوصول إليه أو لم يبلغه خبره لكان
حكمه مثل حكم من كان في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام الظاهر - صلوات
الله عليه.
والنتيجة أن ما ينقل عن الإخبارية بحرمة
التقليد ولزوم الاجتهاد فهم على غير معناه الذي أرادوه وفي قراءة عبائرهم كفاية
لمن أراد النصف في القول والحكم.
المناقشة لم تنته بعد..
مالك درويش
20 / 11 / 2022

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق