مناقشة (3) مع الشيخ إبراهيم الجفيري
حول مقاله في مجلة التجديد العدد (6) مارس 2010
بعنوان "التقليد الفقهي.. مناقشة غير تقليدية"
ادعى صاحب المقال "أن الفريق المناهض
للتقليد، كان أكثر عددا في القرون السابقة بينما هم الأقل في القرون الأخيرة، ولو
كنا في تلك القرون التي كانت للغلبة فيها للفقهاء المناهضين للتقليد لظننا أن جميع
علماء المسلمين يحرمون التقليد، تماما كما يظن البعض في هذا الزمان أن جميع علماء
المسلمين -منذ بداية الإسلام وإلى يومنا هذا- على كل مكلف لم يبلغ درجة
الاجتهاد"
أولا: دعوى أن فقهاء القرون السابقة القائلين
بتحريم الاجتهاد هم الأكثر عددا لم يرافقها الدليل المؤيد لها فلم يذكر أي دليل
يسندها لا من نقل تاريخي ولا من استقراء قام به بإحصاء الفقهاء في تلك القرون
وعليه وضع ميزان العدد لتغليب جانب على جانب آخر فهي لا تعدو دعوى فارغة من الدليل
الدال عليها.
ثانيا: دعواه أن الغلبة في هذا الزمان هو
للفقهاء القائلين بالوجوب وكأنّ في هذا الزمان فقهاء يقولون بالحرمة، فهنا نسأل من
هم هؤلاء الفقهاء؟ فالمدعي حتى لم يأت بفقيه من هذا الزمان كشاهد على قوله إلا أن
يقصد أنّ بعض أعضاء الجمعية أو بعض العلمانيين أو ما يسمون بالمتنورين أو الحداثيين
أو من يسمون أنفسهم بالقرآنيين هم فقهاء أيضا.
ثالثا: أن ادعاءه هذا يريد من خلاله ان يوحي أن
أصل حكم تقليد المكلف غير العالم للعالم هي مسألة تقليدية وهذه مغالطة كبيرة لأن
المكلف لا يقلد في أصل هذه المسألة فقول فقهائنا أن المكلف غير المجتهد يجب عليه
أن يقلد أو أن يحتاط هو على غرار قولهم يجب على المكلف الصلاة والصوم والحج ويحرم
عليه السرقة والغصب والزنا فأصل هذه التكاليف لا تقليد فيها وذلك لكونها من
المسائل الضرورية البديهية أو التي لا تحتاج لبسط الجهد في استنباطها أو لكونها من
المسائل العقلائية الواضحة أو لكونها وجدانية فطرية، ومن له أدنى اطلاع بالفقه
يعرف التفريق بين المسائل الاجتهادية التي تحتاج إلى بذل الوسع في استنباطها والتي
تعتمد على مقدمات تخصصية وبين المسائل التي لا تحتاج إلى ذلك.
نعم في فروع مسألة التقليد كما هي فروع الصلاة
والصوم تحتاج إلى الاجتهاد المعتمد على الإحاطة التامة بعلوم متعددة يقتدر الفقيه
من خلالها على استنباط الحكم الشرعي من مقرراته المعتمدة.
رابعا: قد نقل الكاتب في مطاوي المقال كلام
الشهيد الأول في الذكرى ولكنه استقطع ما يكون دليلا إليه لا عليه وهذا مخالف
للأمانة في النقل إذ نقل "وخالف فيه بعض قدمائهم وفقهاء حلب – رحمة الله
عليهم - فأوجبوا على العوام الاستدلال"
وأنا أنقله بتمامه إذ قال في الذكرى عن وجوب التفقه
(الاجتهاد) " ووجوبه كفاية، لقوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة
ليتفقهوا في الدين). وللزوم الحرج المنفي بالقرآن العزيز. وعليه أكثر الإمامية، وخالف فيه بعض قدمائهم وفقهاء حلب – رحمة الله عليهم -
فأوجبوا على العوام الاستدلال، واكتفوا فيه: بمعرفة الاجماع الحاصل من مناقشة
العلماء عند الحاجة إلى الوقائع، أو النصوص الظاهرة، أو أن الأصل في المنافع
الإباحة وفي المضار الحرمة، مع فقد نص قاطع في متنه ودلالته والنصوص محصورة.
ويدفعه: إجماع السلف والخلف على الاستفتاء من
غير نكير ولا تعرض لدليل بوجه من الوجوه، وما ذكروه لا يخرج عن التقليد عند
التحقيق.
فالنتيجة: أن الشهيد ذكر أولا أنه أكثر
الإمامية على وجوب التقليد وثانيا المخالفين لهم هم بعض القدماء لا الأكثر وعلماء حلب،
بل أن قولهم هذا لا يعنى أن يجتهد العوام بل هو تقليد عند التحقيق وإنما هو ألزام
المجتهدين على ذكر الدليل على فتاواهم وهذا لا يعنى أن يكون للمقلد نظر في الدليل
وإنما يحصل له اطلاع به والاطلاع على الدليل لا يعني كون المطلع مجتهدا ولذا قال
"لا يخرج عن التقليد عند التحقيق" وسيأتي توضيح أكثر في المناقشات
القادمة.
وثالثا وهو المهم أن الشهيد نقل إجماع السلف
والخلف وهذا معناه أن الذين خالفوا من القدماء هم قلة قليلة في حساب التعداد.
خامسا: ذكر الشيخ الطوسي في كتابه العدة في
أصول الفقه ص ٣١٨ قوله "أنّي وجدت عامّة الطَّائفة من عهد أمير المؤمنين عليه
السّلام إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات،
ويفتونهم العلماء فيها، ويسوّغون لهم العمل بما يفتونهم به، وما سمعنا أحدا منهم
قال لمستفت لا يجوز لك الاستفتاء ولا العمل به، بل ينبغي أن تنظر كما نظرت وتعلم
كما علمت"
وكلامه أوضح من أن يبين، فكيف تسنى للكاتب دعوى
الأكثرية؟ والنقل من كتب قدماء العلماء وهم أعلم بآرائهم على خلاف ما يقول وسيأتي
ما يؤيد ذلك في المناقشات القادمة.
المناقشة لم تنته بعد..
مالك درويش
16 / 11 / 2022

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق