الرد على #جلال_القصاب
في تبنيه لرواية ابن إسحاق في إسلام الإمام علي عليه السلام
أولا: بما أن المتبني للرواية يعد من أهم أعمدة
#جمعية_التجديد إن لم يكن الأهم فهو يمثل محورا للأفكار فيها خصوصا بعد ملاحظة
الظهور الإعلامي الواضح له في مجمل المنصات وفي الكتابات المتعلقة بالجمعية، وعليه
ينبغي أن يكون من أكثر الأشخاص اطلاعا على المصادر الإسلامية.
ثانيا: الرواية التاريخية التي عرضها لم ينقلها
بالنص، بل نقلها بالمعنى الذي هو يريد أن يوجه أصحابه إليه وهذا يكون مخالفا لأهم
أساسيات التفكر والتعقل لأن الذي يحث أتباعه على إعمال عقله عليه أن يطرح الرواية
كما هي كي يصل هو بعقله للنتائج لا أن تكون نتائج المتحدث المتبني للرواية هي
الحاكمة على فهم الآخرين.
ثالثا: كان مما ينبغي عدم تغافل الروايات
التاريخية في إسلام أمير المؤمنين عليه السلام لكي يعطي للمستمع حرية الاختيار
بينها ويعمل ترجيحاته التي يتبناه هو لا التي يتبناها غيره وهذا مما يكشف على أن
المتحدث استعمل مسارا واحدا قيّد به جميع من ينحازون إليه على أنها الرواية
المطابقة للواقع، هذا من جهة ومن جهة أخرى جعلت منهم تابعين ومقلدين له لا أحرارا
في التفكير وأخذ القرار.
رابعا: كل من ذكر الرواية من مصادر نقلها عن
فرد واحد وهو ابن إسحاق في كتابه السير والمغازي ونص الرواية هكذا: عن ابن إسحاق
قال ثم إن علي بن أبي طالب جاء بعد ذلك بيومين فوجدهما يصليان فقال علي ما هذا يا
محمد فقال النبي صلى الله عليه وسلم دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله
فأدعوك إلى الله وحده والى عبادته وكفر باللات والعزى فقال له علي هذا أمر لم أسمع
به قبل اليوم فلست بقاض أمرا حتى أحدث أبا طالب فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره فقال له يا علي إذا لم تسلم فاكتم فمكث علي
تلك الليلة ثم أن الله أوقع في قلب علي الاسلام فأصبح غاديا إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم حتى جاءه فقال ما عرضت علي يا محمد فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم تشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وتكفر باللات والعزى وتبرأ من
الأنداد ففعل علي وأسلم ومكث علي يأتيه على خوف من أبي
طالب وكتم علي اسلامه ولم يظهر به.
خامسا: هذه الرواية التاريخية مرسلة لم ترو إلا
عن طريق ابن إسحاق وابن إسحاق ولد سنة 80 للهجرة وتوفي سنة 151 هذا من جهة ومن جهة
أخرى أن ابن اسحاق كتب هذه السيرة بأمر الخليفة العباسي المنصور لابنه المهدي كما
ذكر ذلك الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد، بل وردت فيه روايات قادحة فراجع
كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي الجزء السابع فضعفها السندي وهي جهة الصدور واضحة
جدا وإذا أضيفت لها معارضة الروايات الأخرى الأقوى سندا فإن سقوطها حتمي.
سادسا: الإيمان بهذه الرواية يلزم منها ملازمات
تعارض بعض الأصول الاعتقادية في أمير المؤمنين عليه السلام وهي تستدعي وضع تساؤلات
حول بعض معتقدات #جمعية_التجديد حول الإمام علي عليه السلام.
منها: أن الرواية تقول على لسان النبي ص: فأدعوك
إلى الله وحده والى عبادته وكفر باللات والعزى فقال له علي هذا أمر لم أسمع به قبل
اليوم فهذا يعني أن عليا عليه السلام كان كافرا أو مشركا قبل هذه الدعوة فكيف يكون
الإمام علي لم يعرف التوحيد وهو الذي اختص به رسول الله منذ نعومة أظفاره إلا أن
تقول أيضا أن النبي ص عليه وآله لم يكن موحدا أو كان موحدا وقد أخفى على علي ذلك،
إذا على ماذا كان يربيه عقائديا، وكيف يكون مشركا وقد أجمع المسلمون على أنه لم
يسجد لصنم قط. فهنا نسأل ما هو اعتقادكم في إيمان علي قبل البعثة؟
منها: أنها تفتح باب العصمة فهل كان علي معصوما
قبل البعثة وهذا يلازم الإيمان والتوحيد وعدم صدور ما يخدش في العصمة "وهو ما
تقول به الإمامية الاثنا عشرية قاطبة أم أنه غير معصوما بحيث يصدر منه الشرك وما
دونه وهذا ما يفهم من هذا السياق. فما هو قولكم في العصمة للأئمة وما هي حقيقتها
عندكم؟
منها: الرواية تقول " فكره رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن يفشي عليه سره" وتضيف أيضا "ومكث علي يأتيه على خوف
من أبي طالب وكتم علي اسلامه ولم يظهر به" وهذا مجانب لكل من قرأ سيرة أبي
طالب إذ حتى مناوؤه الذين يرون أنه في ضحضاح من النار يشهدون أن أبا طالب كان هو
المحامي والمدافع عن رسول الله. وواضح أن الراوي كان متقصدا لذم علي وأبيه إرضاء
للمنصور وولده الذين كان يكرهون البيت العلوي وهنا نسأل ما هو معتقدكم في إيمان
أبي طالب فهل هو عندكم مشرك وكافر أم هو مؤمن بالتوحيد قبل البعثة ومؤمن برسالة
النبي بعدها؟
وبعد هذا فكيف أمكنك التصديق بمضمون هذه
الرواية وما هو معيار القبول فيها مع وجود الروايات الأخرى الأقوى سندا والمكذبة
لها مضمونا؟
سابعا: أن بعض علمائنا ذكر رواية ابن إسحاق في
مقام الاحتجاج وإلزام الخصم في دعوى أن إسلام علي عليه السلام كان متأخرا عن بعض
الصحابة فجاؤوا بهذه الرواية في ضمن روايات تدلل على تقدم أمير المؤمنين على من
عداه في الإسلام، ولكنهم لا يؤمنون بمضمونها الواضح الفساد، بل يستدلون بروايات
أخرى في إيمانه وكيفية إظهار إسلام ومنها الرواية التي سأذكرها.
ثامنا: أن هذه الرواية لا تنسجم مع ما يرويه
ابن إسحاق نفسه بسند متصل آخذ منه الشاهد "فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم
عليا فضمه إليه فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله عز وجل
نبيا فاتبعه علي وآمن به وصدقه" راجع كتاب دلائل النبوة للبيهقي الجز 2 ص ١٦٤
وغيره من الكتب. وهذا يتعارض مع هذه الرواية التي تقول " جاء بعد ذلك بيومين
فوجدهما يصليان" وفي نقل
"بيوم" فكيف يغيب أمير المؤمنين عن البيت الذي يسكنه يوم وهو في سن
العاشرة، وكيف يتصور كفره المسبق وهو تحت عناية الرسول مباشرة، بل كيف يتصور
الاستغراب عنده وهو عالم بحال النبي قبل البعثة بنبذه للأصنام.
تاسعا: هذه الرواية تعارض ما ينقله أهل السنة
في مجاميعهم التاريخية كرواية سلمة بن كهيل عن حبّة العرني قال: سمعت عليا يقول:
أنا أوّل من صلى مع النبي صلى اللَّه عليه (وآله) وسلم" فهذا تعارض واضح إذ
تلك الرواية تقول جاء بعد يومين فوجدهما يصليان فمن هو الأول الذي صلى مع النبي
وهكذا رواية سلمان الفارسي قال: أوّل هذه الأمة ورودا على نبيها أوّلها إسلاما،
علي بن أبي طالب. وبهذا يكون أمير المؤمنين تقدم إظهار إسلامه حتى على خديجة
فراجع مثل هذه الروايات عندنا وعندهم ككتاب أسد
الغابة لابن الأثير ج ٣ ص ٥٩٠ وغيره من الكتب ولو أردنا الاستطراد في الروايات
المعارضة لطال بنا المقام.
عاشراً: في المقطع للمتحدث أن النبي طلب من
أمير المؤمنين الشهادتين وهو مخالف لما هو في الرواية فنص الرواية يقول " فأدعوك
إلى الله وحده والى عبادته وكفر باللات والعزى" فإخفاء هذا المقطع واستبداله
بالشهادتين لكون نفس هذا المتن المروي غير مقبول في إيمان علي الذي لم يخالطه شرك
لا قبل البعثة ولا بعد، وإذا كان عندك رواية أخرى غير رواية ابن إسحاق التاريخية
فنتحداك بذكرها مع مصدرها هذا بالإضافة إلى تغيير التعابير الأخرى لتكون للسامع
مقبولية لها مع جهله نص الرواية وهذا مخالف للأمانة في النقل.
الحادية عشر: يقابل هذه الرواية رواية أخرى عن
أمير المؤمنين عليه السلام نفسه مذكورة في نهج البلاغة " ولقد كنت اتبعه
اتباع الفصيل أثر أمة، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به. ولقد
كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في
الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي
والرسالة، وأشم ريح النبوة. ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله
عليه وآله فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته،
إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلا انك لست بنبي، ولكنك لوزير، وانك لعلى خير"
هذه الرواية تدلل على أنه كان يذهب مع النبي
لغار حراء وكان يرى ويسمع ما يراه النبي ص فأي مهلة يطلبها أمير المؤمنين عليه
السلام وكأنه لم يكن مهيأ لقبول الرسالة مع كل ما بذله النبي في الاعتناء به.
هذه الرواية تنسجم مع المنهج القرآني الدال على
أن الإمامة اختيار إلهي كما في قوله " قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي
الظالمين" فالإمامة عهد لا تقع مما يصدر منه الظلم والشرك بدلالة القرآن في
قوله تعالى "إن الشرك لظلم عظيم" ولا يمكن دعوى أن أمير المؤمنين كان
صغيرا فلا يقع منه الظلم إذ الظلم كما يصدر من الكبير يصدر من الصغير والفارق في
الحساب والجزاء ليس إلا وكذلك من الواضح أن الله لا ينظر إلى الأنبياء والأئمة في
تقليد العهد لهم بالسن فالنبي عيسى نبي في المهد ويحي أوتي الحكمة صبيا والجواد
والهادي كانا إمامين موكلين بهداية الناس في السابعة التاسعة من أعمارهما بل أن
دعوة النبي حتى على رواية ابن إسحاق تدل على أنه تعامل مع أمير المؤمنين معاملة
المكلفين لا معاملة القصر.
هذا لو سردنا بقية الآيات والروايات المتواترة
معنى في هذا الشأن لاحتجنا إلى مجلدات ومن أراد الزيادة فليرجع للكتب التي تحدثت
عن عصمتهم بدلالة العقل والنقل وفي طالب الحق كفاية ووعاية.
الثانية عشر: عندما تردنا روايتان بينهما تناقض
والمفترض أن المتحدث عالم بها فكيف له أن يغفل الرواية الأخرى وهو يدعو إلى رفع
أغلال العقل، أليس من الأغلال أن أسير الأتباع باتجاه واحد تعمية لهم عن رؤية
الضفة الأخرى من النهر، أليس مثل هذا الأسلوب من الطرح هو سجن عقول الأتباع عن
الانفتاح والتعقل والتدبر في منقولات التاريخ التي يكون الحاكم عليها هو نفس آيات
القرآن باعتبار الموافقة والمخالفة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق